مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 109 من 242

ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في

الأمور ، ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من

الناس فيأمرهم بالعدل ، وهو - كما عرفت - مطلق

التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح

أعم من العدل في الرعية .

ثم وصفه بقوله : * ( وهو على صراط مستقيم ) *

وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى

غايتهم من غير عوج ، والإنسان الذي هو في

مسير حياته على صراط مستقيم يجري في

أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض

بعض أعماله بعضا أو يتخلف عن شئ مما يراه

حقا ، وبالجملة : لا تخلف ولا اختلاف في أعماله .

وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر

بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولا : أن

أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان

نفسه ، بل هو مستقيم في أحواله وأعماله يأتي

بالعدل كما يأمر به . وثانيا : أن أمره بالعدل ليس

ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه ، بل هو في

نفسه على مستقيم الصراط ، ولازمه أن يحب

لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق

ويجتنبوا حاشيتي الإفراط والتفريط .

وأما السؤال - أعني ما في قوله : * ( هل يستوي هو

ومن يأمر بالعدل . . . ) * إلخ - فهو سؤال لا جواب له

إلا النفي لاشك فيه ، وبه يثبت أن ما يعبدونه من

دون الله من الأصنام والأوثان - وهو مسلوب

القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن يهدي

غيره - لا يساوي الله تعالى وهو على صراط

مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل

وتشريع الشرائع .

ومنه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية

في معنى قوله تعالى : * ( أفمن يهدي إلى الحق أحق

أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف

تحكمون ) * ( 1 ) فالله سبحانه على صراط مستقيم

في صفاته وأفعاله ، ومن استقامة صراطه أن يجعل

لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون

الخلق باطلا ، كما قال : * ( وما خلقنا السماوات

والأرض وما بينهما باطلا ) * وأن يهدي كلا إلى

غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية ، كما

قال : * ( الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) * ( 2 ) ،

فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال : * ( وعلى

الله قصد السبيل ) * ( 3 ) ، وقال : * ( إنا هديناه

السبيل ) * ( 4 ) .

وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع ،

وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني

وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب .

فقد تحصل : أن الغرض من المثل المضروب

في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة

إلى النبوة والتشريع .

وقيل : إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير

ومن لا يؤمل منه ، وأصل الخير كله من الله تعالى

فكيف يستوي بينه وبين شئ سواه في العبادة ؟ !

وفيه : أن المورد أخص من ذلك ، فهو مثل

____________________

( 1 ) يونس : 35 .

( 2 ) طه : 50 .

( 3 ) النحل : 9 .

( 4 ) الدهر : 3 .

الصفحة 109 من 242