مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 77 من 254

القلب ، ويدلك على ذلك قول الله تبارك وتعالى :

* ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا

إليهم ) * ( 1 ) وما به الإنذار والتخويف هو هذا العلم

وهذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم

والإجارة ، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف ،

بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع

الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له ، قال

الله تعالى : * ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) * ( 2 ) وأراد

به معاني الإيمان دون الفتاوى ، ولعمري الفقه

والفهم في اللغة اسمان لمعنى واحد ، وإنما

يتكلم في عادة الاستعمال قديما وحديثا ، وقال

تعالى : * ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله

ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) * ( 3 ) فأحال قلة خوفهم

من الله عز وجل واستعظامهم سطوة الخلق على

قلة الفقه ، فانظر أكان ذلك نتيجة عدم الحفظ

لتفريعات الفتاوى والأقضية ، أو هو نتيجة عدم ما

ذكرناه من العلوم ؟

وقد قال ( صلى الله عليه وآله ) : " علماء حكماء فقهاء " ( 4 ) للذين

وفدوا عليه ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : " ألا أنبئكم بالفقيه

كل الفقيه ؟ قالوا : بلى ، قال ( صلى الله عليه وآله ) : " من لم

يقنط الناس من رحمة الله - سبحانه - ولم يؤمنهم

من مكر الله - عز وجل - ولم يؤيسهم من روح

الله - عز وجل - ولم يدع القرآن رغبة عنه

إلى ما سواه " ( 5 ) .

وقال ( صلى الله عليه وآله ) : " لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت

الناس في ذات الله عز وجل ، وحتى يرى للقرآن

وجوها كثيرة " ( 6 ) .

وروي أيضا موقوفا على أبي الدرداء

مع قوله ( صلى الله عليه وآله ) " ثم يقبل على نفسه فيكون لها

أشد مقتا " ( 7 ) .

وقال بعض السلف : إنما الفقيه الزاهد في

الدنيا ، الراغب في الآخرة ، البصير بدينه ، المداوم

على عبادة ربه ( 8 ) الورع الكاف نفسه عن أعراض

المسلمين ، العفيف عن أموالهم ، الناصح

لجماعتهم . ولم يقل في جميع ذلك : الحافظ

لفروع الفتاوى ، ولست أقول : إن اسم الفقه لم يكن

متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ، ولكن كان

بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع ،

____________________

( 1 ) التوبة : 122 .

( 2 ) الأعراف : 179 .

( 3 ) الحشر : 13 .

( 4 ) الكافي : 2 / 48 / 4 وقال العراقي : هذا الخبر أخرجه أبو نعيم

في الحلية والبيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث

سويد بن الحرث بإسناد ضعيف . كما في هامش المحجة البيضاء .

( 5 ) أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر : 120 عن علي

ابن أبي طالب عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وفي سنن الدارمي : 1 / 89

بإسناده عن يحيى بن عباد عن علي ( عليه السلام ) أيضا ، وفي تيسير

الوصول : 4 / 162 عن علي ( عليه السلام ) ، وقال : أخرجه رزين . كما

في هامش المحجة البيضاء .

( 6 ) أخرجه ابن عبد البر في العلم من حديث شداد بن أوس كما في

المختصر : 121 ومنتخب كنز العمال بهامش المسند : 4 / 36

عن الخطيب في المتفق والمفترق عن شداد بن أوس . وقال

العراقي : في سند الحديث صدقة بن عبد الله وهو ضعيف عندهم

مجمع على ضعفه ، وهذا حديث لا يصح مرفوعا وإنما الصحيح

فيه أنه من قول أبي الدرداء ، فعن أبي قلابة عنه قال : " لن تفقه

كل الفقه . . . الخبر " . كما في هامش المحجة البيضاء .

( 7 ) أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر : 121 كما في

هامش المحجة البيضاء .

( 8 ) إلى هنا أخرجه الدارمي في سننه : 1 / 89 بإسناده عن الحسن

البصري . كما في هامش المحجة البيضاء .

الصفحة 77 من 254