مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 62 من 254

فقر ، وإن كان القياس يقتضيه ، وأصل الفقير هو

المكسور الفقار ، انتهى ( 1 ) .

وهذا أحسن ما قيل في هذا المقام ، ومنهم من

حمل سواد الوجه على المدح ، أي إنه كالخال

الذي على وجه المحبوب فإنه يزينه ولا يشينه ،

وقيل : المراد بالوجه ذات الممكن ، ومن الفقر

احتياجه في وجوده وسائر كمالاته إلى الغير ،

وكون ذلك الاحتياج سواد وجهه عبارة عن لزومه

لذاته بحيث لا ينفك كما لا ينفك السواد عن محله ،

ولا يخفى بعدهما ، والأظهر حمله مع صحته على

الفقر المذموم كما مر .

وقال الغزالي في شرح هذا الخبر : إذ الفقر

مع الاضطرار إلى ما لابد منه قارب أن يوقع في

الكفر ، لأنه يحمل على حسد الأغنياء والحسد

يأكل الحسنات ، وعلى التذلل لهم بما يدنس به

عرضه وينثلم به دينه ، وعلى عدم الرضا بالقضاء

وتسخط الرزق ، وذلك إن لم يكن كفرا فهو جار

إليه ، ولذلك استعاذ المصطفى من الفقر .

وقال بعضهم : لأن أجمع عندي أربعين ألف

دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذل

في سؤال الناس ، ووالله ما أدري ماذا يقع مني لو

ابتليت ببلية من فقر أو مرض ، فلعلي أكفر

ولا أشعر ، فلذلك قال : " كاد الفقر أن يكون كفرا "

لأنه يحمل المرء على كل صعب وذلول ، وربما

يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه ،

والفقر نعمة من الله داع إلى الإنابة والالتجاء

إليه والطلب منه ، وهو حلية الأنبياء وزينة الأولياء

وزي الصلحاء ، ومن ثم ورد خبر : " إذا رأيت الفقر

مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين " ، فهو نعمة

جليلة بيد أنه مؤلم شديد التحمل .

قال الغزالي : هذا الحديث ثناء على المال ،

ولا تقف على وجه الجمع بين المدح والذم إلا بأن

تعرف حكمة المال ومقصوده وفوائده وغوائله ،

حتى ينكشف لك أنه خير من وجه شر من وجه ،

وليس بخير محض ولا بشر محض ، بل هو سبب

للأمرين معا : يمدح مرة ويذم مرة ، والبصير المميز

يدرك أن الممدوح منه غير المذموم .

وقال بعض أصحابنا في الدعاء : نعوذ بك

من الفقر والقلة ، قيل : الفقر المستعاذ منه إنما

هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم

الله ونسيان ذكره ، ويدعوه إلى سد الخلة بما

يتدنس به عرضه ويثلم به دينه ، والقلة تحمل على

قلة الصبر أو قلة العدد . وفي الخبر أنه ( صلى الله عليه وآله )

تعوذ من الفقر ، وقال : " الفقر فخري وبه أفتخر

على سائر الأنبياء " . وقد جمع بين القولين بأن

الفقر الذي تعوذ منه ( صلى الله عليه وآله ) الفقر إلى الناس والذي

دون الكفاف ، والذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى ،

وإنما كان هذا فخرا له على سائر الأنبياء مع

مشاركتهم له فيه ، لأن توحيده واتصاله بالحضرة

الإلهية وانقطاعه إليه كان في الدرجة التي لم يكن

لأحد مثلها في العلو ، ففقره إليه كان أتم وأكمل من

فقر سائر الأنبياء .

وقال الكرماني في شرح البخاري في

قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " أعوذ بك من الفقر " : استدل به على

تفضيل الغنى ، وبقوله تعالى : * ( إن ترك خيرا ) *

____________________

( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 641 .

الصفحة 62 من 254