الحَميدُ، لَا يَفْتَقرُ أبَداً وَنَحْنُ الْفُقَرَاء إِلَيْهِ، قَالَ أَبو ذَرٍّ فَمَا بَالُ هَذَا الْمَالَ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: مَالُ اللَّهِ قَدْ مَنَعوهُ أهْلَهُ مِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَقُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا لَا تَأبُونَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ قَدْ وَطَنَ نَفْسَهُ عَلَى أنْ يُذبَحَ فِي اللَّه، أمَا إِنِّي أَشْهَدُ أنّى سَمِعْتُ رسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: مَا أظَلَّت الخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذي لَهْجَة، أصْدَقَ مِنْ أبِي ذَرٍّ، فَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى أَشبَهِ النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ بِراً وَزُهْداً وَنُسُكاً فَعَلَيْكُمْ بِهِ.
وعَنْهُ في تاريخه، عَن الْمَغْرُور بن سُوَيْد قَالَ كَانَ عُثْمَانُ يَخْطُبُ، فَأَخَذَ أَبُو ذَرِّ بِحَلْقَة الْبَابِ فَقَالَ أَنَا أَبُو ذَرٍّ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدَبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ، مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ، وَمَنْ رَكَبَهَا نَجَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ كَذَبْتَ فَقَالَ لَهُ عَليٍّ (عليه السلام) إِنَّمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَك صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، فَمَا أتَمَّ حَتَّى قَالَ عُثْمَانَ: بفيكَ التُّرَابُ، فَقَالَ عَلَيَّ (عليه السلام): بَلْ بِفِيكَ التُّرَابُ.
وذَكَرَ الواقدي في تاريخه، عَنْ سَعيد بن عَطَاء، عَنْ أبي مَرْوَانَ الْأَسْمَرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا صُدَّ النَّاسُ عَنِ الْحَجِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ أَظْهَرَ أبو ذَرِّ بالشَّامِ عَيْبَ عُثْمَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أوْ خَرَجَ شَتَمَ عَثْمَانَ، وَذَكَرَ مِنْهُ حَصَالًا كُلَّهَا قَبِيحَةٌ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عُثْمَانَ كِتاباً يَذْكُرُ لَهُ مَا يَصْنَعُ أبو ذَرٍّ، وَذَكَرَ [الواقدي] مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، حَدَفْنَاهُ اختصاراً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابَكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَب، فَابْعَتْ إِلَيَّ به، وَاحْمِلْهُ عَلَى أغْلَظ الْمَرَاكِب وأوْعَرِهَا، وَابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا يَسِيرُ بِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ حَتَّى لَا يَنْزِلَ عَنْ مَرْكَبِهِ، فَيَغْلَبَهُ النَّوْمُ فَيُنسِيَهُ ذِكْرِي وَذِكْرَكَ، قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حَمَلَهُ عَلَى شَارف لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَتَبْ، وَبَعَثَ مَعَهُ دَليلًا، وَأمَرَ أنْ يَفُذَّ بِهِ السَّيْرَ، حَتَّى قَدمَ بهِ الْمَدِينَةَ وَقَدْ سَقَطَ لَحْمُ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَقَدْ أَتَانَا آتِ وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ صَحْوَةٌ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالب (عليه السلام)، فَقِيلَ: أبو ذَرٍّ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجْتُ أَغْدُو، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، فَإِذَا شَيْخُ نَحِيفُ آدَمُ طُوَالُ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ يَمْشِي مَشْياً مُتَقَارِباً، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمَّ مَا لِي أَرَاكَ لَا تَحْطُو إِلَّا خَطُوا قَرِيباً! قَالَ: عَمَلُ ابْنِ عَفَّانَ:
الحميد، لا يفتقر أبدا ونحن الفقراء إليه، قال أبو ذر فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض، فقال: مال الله قد منعوه أهله من اليتامى والمساكين، ثم انطلق، فقلت لأبي هريرة: ما لا تأبون مثل هذا، قال إن هذا رجل قد وطن نفسه على أن يذبح في الله، أما إني أشهد أنى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة، أصدق من أبي ذر، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برا وزهدا ونسكا فعليكم به.
وعنه في تاريخه، عن المغرور بن سويد قال كان عثمان يخطب، فأخذ أبو ذر بحلقة الباب فقال أنا أبو ذر من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه، من تخلف عنها هلك، ومن ركبها نجا قال له عثمان كذبت فقال له علي (عليه السلام) إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، فما أتم حتى قال عثمان: بفيك التراب، فقال علي (عليه السلام): بل بفيك التراب.
وذكر الواقدي في تاريخه، عن سعيد بن عطاء، عن أبي مروان الأسمر، عن أبيه، عن جده قال: لما صد الناس عن الحج في سنة ثلاثين أظهر أبو ذر بالشام عيب عثمان، فجعل كلما دخل المسجد أو خرج شتم عثمان، وذكر منه حصالا كلها قبيحة، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عثمان كتابا يذكر له ما يصنع أبو ذر، وذكر [الواقدي] ما تضمنه الكتاب، حدفناه اختصارا، فكتب إليه عثمان: أما بعد، فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت من أبي ذر جندب، فابعت إلي به، واحمله على أغلظ المراكب وأوعرها، وابعث معه دليلا يسير به الليل والنهار حتى لا ينزل عن مركبه، فيغلبه النوم فينسيه ذكري وذكرك، قال: فلما ورد الكتاب على معاوية حمله على شارف ليس عليه إلا قتب، وبعث معه دليلا، وأمر أن يفذ به السير، حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه، قال: فلقد أتانا آت ونحن في المسجد صحوة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقيل: أبو ذر قد قدم المدينة، فخرجت أغدو، فكنت أول من سبق إليه، فإذا شيخ نحيف آدم طوال أبيض الرأس واللحية يمشي مشيا متقاربا، فدنوت إليه فقلت: يا عم ما لي أراك لا تحطو إلا خطوا قريبا! قال: عمل ابن عفان:




