يَأْتَمنْهُ حَيْثُ لَا يَأْتَمِنُ أَحَداً وَيَسُرُّ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَسُرُّ إِلَى أَحَدٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسَ أَبي الدَّرْدَاء بيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَطَعَ يَمِينِي مَا أَبْغَضَتُهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ مَا أظَلَّت الخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّت الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَة أَصْدَقَ مِنْ أبِي ذَرٍّ.
وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تاريخه بإِسْنَادِهِ قَالَ قَامَ مُعَاوِيَةٌ خَطِيباً بِالشَّامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا خَازِنَ، فَمَنْ أعْطَيْتُهُ فَاللَّهُ يُعطيه، وَمَنْ حَرَمْتُهُ فَاللَّهُ يحرمه، فَقَامَ إِلَيْه أَبو ذَرٍّ فَقَالَ:
كَذَبْتَ وَالله يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ حَرَمَ اللَّهُ وَتَمْنَعُ مَنْ أَعْطَى اللَّهُ.
وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ إِنَّ أحَدَنَا فَرْعَوْنُ هَذه الأمة، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أما أنا فلا.
وعَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةٌ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ حَرَّفَ قُلُوبَ أهْلِ الشَّامِ وَبَغْضَكَ إِلَيْهِمْ، فَمَا يَسْتَفْتُو إِلَيْهِمْ، فَمَا يَسْتَفْتُونَ غَيْرَهُ وَلَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ إِلَّا هُوَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنِ احْمِلْ أَبَا ذَرٍّ عَلَى نَاب صَعْبَة وَقَتَب، ثُمَّ ابْعَتْ مَعَهُ مَنْ يَحْشُنُ بِهِ خَشِناً عَنِيفاً حَتَّى يَقْدَمَ بِهِ عَلَيَّ، قَالَ: فَحَمَلَهُ مُعَاوِيَةٌ عَلَى نَاقَهُ صَعْبَة، عَلَيْهَا قَتَبُ، مَا عَلَى الْقَتَبِ إِلَّا مِسْحُ، ثُمَّ بَعَثَ مَعَهُ مَنْ يُسَيِّرَهُ سَيْراً عَنِيفاً، وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ مَا يَلِي الْقَتَبَ مِنْ لَحْمِ لَحْمِ فَخِذَيْهِ وَقَرِحَ، فَكُنْتُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذْتُ مَلَائِي فَالْقَيْتُهُمَا تَحْتَهُ، فَإِذَا كَانَ السحر نزعتهما، مَخَافَةَ أنْ يَروني فَيَمْنَعُوني منْ ذَلكَ، حَتَّى قَدمْنَا الْمَدينَةَ، وَبَلَغْنَا عُثْمَانَ مَا لَقِيَ لقي أبو ذَرٍّ مِنَ الوَجَع وَالْجَهْدِ، فَحَجَبَهُ جُمْعَةً وَجَمْعَةً، حَتَّى مَضَتْ عِشْرُونَ لَيْلَةً أَوْ نَحْوُهَا، وَأَفَاقَ أبو ذَرٍّ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَمدُ عَلَى يَدَيَّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَكَلِّ، فَاسْتَوَى، قاعداً، فَلَمَّا دَنَا أبو ذَرَّ مِنْهُ قَالَ عُثْمَانُ شعر:
لَا أَنْعَمَ اللهُ بِعَمْرٍو عَيْناً *** تَحيَّةَ السُّخط إذا التقينا
فَقَالَ لَهُ أبو ذَر لَمَ، فَوَ اللَّهِ مَا سَمَّانِي اللهُ عَمْرُواً، وَلَا سَمَّانِي أَبْوَايَ عَمْرُواً، وَإِنِّي عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي فَارَقْتُ عَلَيْه رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَذبت، لَقَدْ كَذَّبْتَ عَلَى نَبِيِّنَا وَطَعَنْتَ فِي دِينَنَا وَفَارَقْتَ رَأيَنَا وَضَغَنْتَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ
يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا ويسر إليه حتى لا يسر إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وذكر الثقفي في تاريخه بإسناده قال قام معاوية خطيبا بالشام فقال: أيها الناس إنما أنا خازن، فمن أعطيته فالله يعطيه، ومن حرمته فالله يحرمه، فقام إليه أبو ذر فقال:
كذبت والله يا معاوية، إنك لتعطي من حرم الله وتمنع من أعطى الله.
وذكر الثقفي عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال قلت لمعاوية: أما أنا فأشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إن أحدنا فرعون هذه الأمة، فقال معاوية: أما أنا فلا.
وعنه، عن عبد الملك ابن أخي أبي ذر قال: كتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر قد حرف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم، فما يستفتو إليهم، فما يستفتون غيره ولا يقضي بينهم إلا هو، فكتب عثمان إلى معاوية: أن احمل أبا ذر على ناب صعبة وقتب، ثم ابعت معه من يحشن به خشنا عنيفا حتى يقدم به علي، قال: فحمله معاوية على ناقه صعبة، عليها قتب، ما على القتب إلا مسح، ثم بعث معه من يسيره سيرا عنيفا، وخرجت معه، فما لبث الشيخ إلا قليلا حتى سقط ما يلي القتب من لحم لحم فخذيه وقرح، فكنت إذا كان الليل أخذت ملائي فالقيتهما تحته، فإذا كان السحر نزعتهما، مخافة أن يروني فيمنعوني من ذلك، حتى قدمنا المدينة، وبلغنا عثمان ما لقي لقي أبو ذر من الوجع والجهد، فحجبه جمعة وجمعة، حتى مضت عشرون ليلة أو نحوها، وأفاق أبو ذر، ثم أرسل إليه وهو معتمد على يدي، فدخلنا عليه وهو متكل، فاستوى، قاعدا، فلما دنا أبو ذر منه قال عثمان شعر:
لا أنعم الله بعمرو عينا *** تحية السخط إذا التقينا
فقال له أبو ذر لم، فو الله ما سماني الله عمروا، ولا سماني أبواي عمروا، وإني على العهد الذي فارقت عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما غيرت ولا بدلت، فقال له عثمان: كذبت، لقد كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وفارقت رأينا وضغنت قلوب المسلمين




