وكون الجسم متحيزا يوجب حاجته إلى جهة قد بينا استناد اختصاصه بها إلى معنى فلو جاز خلوه منه لخلا منها وذلك محال لكونه متحيزا فثبت أن وجوده مضمن لوجود الحوادث وقد علمنا ضرورة حدوث ما له هذا الحكم فوجب إلحاق هذا التفصيل بتلك الجملة.
طريقة أخرى:
معلوم أن للأجسام أحكاما هي عليها مدركة وغير مدركة فالمدركة الألوان والطعوم والأرابيح والحرارة والبرودة والآلام المبتدأة وغير المدركة الرطوبة واليبوسة والشهوة والنفور والحياة والقدرة والعلوم الضرورية التي هي من كمال العقل وطريق إثبات الجميع أغيارا للجسم طريق إثبات الأكوان وقد بيناه.
ويدل في المدركات خاصة أن الإدراك يتعلق بأخص صفات المدرك وأخص صفات ذاته على ما وضح برهانه في غير موضع فلا يخلو أن يتعلق الإدراك بذات الجسم أو بصفة له نفسية أو بالفاعل، أو بذات غير الجسم أو جبت حكم المدرك له ولو كان متعلقا بذات الجسم لاستمر حكمه باستمرار بقاء الجسم والمعلوم خلاف ذلك ولوجب أن لا يختلف الحكم في الإدراك ولا يتغاير العلم الحاصل عنده لكون ذات الجسم واحدة متماثلة الجنس وفي اختلاف ما يتعلق به الإدراك وتغاير الحكم عنده في التعلق دليل على تعلقه بغير الجسم ولأن الإدراك يتعلق ببعض هذه المدركات ويبطل حكمه لبطلانها بضد ويحصل للمدرك حكم بإدراك الضد الثاني يخالف حكم المدرك المنتفى عنه والجسم باق على ما هو عليه في كلا الحالين فبطل تعلق الإدراك به ولمثل هذا يبطل تعقله بصفة له نفسية وتعلق الإدراك بأخص صفات المدرك يحيل كون هذه المدركات صفة بالفاعل ولأن صفات الفاعل هي الحدوث أو وقوعه على وجه وهذه الصفات متجددة في حال بقاء الجسم ولأن حصول العلم بها متغايرة منفصلة من العلم بذات الجسم يحيل كونها صفات بالفاعل فثبت تعلق الإدراك بذات غيره وهي محدثة لتجددها للجسم بعد عدم وبطلانها عن وجود لأن تضادها يمنع من كمونها واستحالة قيامها بأنفسها يحيل الانتقال عليها ولو كانت صفات بالفاعل مع استحالة ذلك لصح الاستدلال بتجددها بعد عدم وانتفائها عن وجود إذ ذلك دليل على حدوثها وإذا ثبت حدوثها ذوات كانت أو صفات اقتضى ذلك حاجتها إلى محدث قديم




