وَنَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا صَارَ خَلْقًا أَرَادَ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا عَلَى هَيْئَةِ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْدَثًا مَا جَازَ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، لِأَنَّ الْحَوَادِثَ إِمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا فَرْدٌ، وَكُلُّ مَسْبُوقٍ بِغَيْرِهِ مُحْدَثٌ، وَمَنْ كَمُلَ بِغَيْرِهِ نَقَصَ لِأَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ الْجَوْهَرِ فِي مَكَانٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ آخَرَ مَعْلُومٍ(1).
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ عِلْمُهُ الْخَبِيرُ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ شِعْرًا:
وُجُودٌ وَحَسْبِي أَنْ أَقُولَ وُجُودُ | لَهُ كَرَمٌ مِنْهُ عَلَيَّ وُجُودُ
| |
تَنَزَّهَ عَنْ نَعْتِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ | لِمَعْنَى اعْتِبَارِ النَّقْصِ فِيهِ يَعُودُ | |
وَلَكِنَّهُ فِيهِ الْكَمَالُ وَضِدُّهُ | لَهُ مِنْهُ وَالْمَجْمُوعُ فِيهِ صُمُودُ |
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ مُحْيِي الدِّينِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- الْمَتِينُ شِعْرًا وَهُوَ هَذَا:
فَلَا تَنْظُرْ إِلَى الْحَقِّ | وَتُعْرِيهِ عَنِ الْخَلْقِ
| |
وَلَا تَنْظُرْ إِلَى الْخَلْقِ | وَتَكْسُوهُ سِوَى الْحَقِّ | |
وَنَزِّهْهُ وَشَبِّهْهُ | وَقُمْ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ
| |
وَكُنْ فِي الْجَمْعِ إِنْ شِئْتَ | وإن شئت ففي الفرق | |
تَفِرُّ بِالكُلِّ مِنْ كُلٍّ | تُبْدِي قَصَبَ السَّبْقِ
| |
فَلَا تَفْنَى وَلَا تَبْقَي | ولا تفنَي ولا تبقَي
| |
وَلَا يُلْقَى عَلَيْكَ الْوَحْيُ | إِدْمَانًا وَلَا تُلْقِي(2) |
وَمِمَّا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ فِي الْمَعَاجِزِ وَالْقُدَرِ: إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ.
يَقُولُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ ( -قَدَّسَهُ اللَّهُ- ) فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالنَّفْسُ حَامِلٌ لِلْعَقْلِ فَبِالْعَقْلِ مَا بِهِ أُدْرِكَتِ الْأَشْيَاءُ، وَالنَّفْسُ مَا بِهِ قَدَرْنَا عَلَى الْإِدْرَاكِ فَالْإِدْرَاكُ مِنْ صِفَةِ الْعَقْلِ، وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَةِ النَّفْسِ، فَالْعَقْلُ يَحْوِي الصِّفَتَيْنِ أَعْنِي الْإِدْرَاكِ وَالْقُدْرَةَ، وَالنَّفْسُ لَا تَحْوِيهِمَا مَعًا، لِأَنَّ النَّفْسَ الَّتِي هِيَ حَامِلَةٌ لِلْعَقْلِ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ بَلْ مَعْقُولَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ حَسَنُ بْنُ مَكزُونٍ: -قَدَّسَهُ اللَّهُ-
وَلَا وَاجِدًا بِالْعَقْلِ بَاطِنَ حُسْنِكُمْ | وَكَيْفَ يُرَى بِالْعَقْلِ مَنْ سَتَرَهُ الْعَقْلُ
|
أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَقْلَ يَسْتُرُ مَا قَبْلَهُ مِنَ السَّبْقِ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.
وَقَدْ أَتَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْمَجْلِسِ الرَّابِعِ مِنْ مَجَالِسِ "الطَّالَقَانِيَّةِ" فِي ذِكْرِ الْجَوْهَرَةِ مَرْفُوعٌ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِي الْمَيْمُونِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ السَّامِرِيِّ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ سَابُورَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدَنِيِّ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ سَابُورُ: فَحِينَئِذٍ سَأَلَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْحَسَنِ لِلْمَلِكِ أَطَالَ اللَّهُ




