مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 59 من 245

مما تقدم من سنة الروم واليونان .

وأما الفارس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم

وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون التبني ، وكانت

أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن

بالادعاء وترث كما يرث الابن والدعي بالسوية ،

وكانت تحرم بقية الزوجات ، والبنت المزوجة

لا ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت ،

والتي لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن ، فكانت

الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة

محرومات ، وكانت الزوجة الكبيرة والابن

والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين .

وأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا

والصغار من البنين ويمتعون أرشد الأولاد

ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة ، فإن لم

يكن فالعصبة .

هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث ،

ذكرها وتعرض لها كثير من تواريخ آداب

الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق

وأمثالها ، من أراد الاطلاع على تفاصيل القول

أمكنه أن يراجعها .

وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت

قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء

بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا

بعناوين أخرى مختلفة ، وعلى حرمان الصغار

والأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية

والقيمومة الدائمة غير المنقطعة .

4 - ماذا صنع الإسلام والظرف هذا الظرف ؟

قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس

الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التي

فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله ، وقد بني

الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة

والخلقة الثابتة ، وقد ألغى إرث الأدعياء ، حيث

يقول تعالى : * ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم

قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي

السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن

لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين

ومواليكم ) * ( 1 ) .

ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث

وأفردها عنوانا مستقلا يعطى به ويؤخذ ، وإن

كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا ، وليس

ذلك مجرد اختلاف في التسمية ، فإن لكل من

الوصية والإرث ملاكا آخر وأصلا فطريا مستقلا ،

فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفى

فيها أصلا ، وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد

وفاته ( وإن شئت قل : حينما يوصي ) فيما يملكه

في حياته واحترام مشيته ، فلو أدخلت الوصية في

الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية .

وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا

إرثا فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد

الأمرين إما الرحم وإما احترام إرادة الميت ، بل

حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام

الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال الموروث في

البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه ،

أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت

ويشفق عليه ، فكان الإرث على أي حال يبتني

____________________

( 1 ) الأحزاب : 4 ، 5 .

الصفحة 59 من 245