مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 216 من 245

ولا تتفرقوا فيه ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( وما محمد إلا رسول

قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم

على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله

شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) * ( 2 ) إلى غير ذلك من

الآيات الكثيرة .

ويستفاد من الجميع أن الدين صبغة اجتماعية

حمله الله على الناس ولا يرضى لعباده الكفر ، ولم

يرد إقامته إلا منهم بأجمعهم ، فالمجتمع -

المتكون منهم - أمره إليهم من غير مزية في ذلك

لبعضهم ولا اختصاص منه ببعضهم ، والنبي ومن

دونه في ذلك سواء ، قال تعالى : * ( أني لا أضيع

عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من

بعض ) * ( 3 ) فإطلاق الآية تدل على أن التأثير

الطبيعي الذي لأجزاء المجتمع الإسلامي في

مجتمعهم مراعى عند الله سبحانه تشريعا كما

راعاه تكوينا وأنه تعالى لا يضيعه ، وقال تعالى :

* ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة

للمتقين ) * ( 4 ) .

نعم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الدعوة والهداية

والتربية ، قال تعالى : * ( يتلو عليهم آياته

ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * ( 5 ) ،

فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المتعين من عند الله للقيام على شأن

الأمة وولاية أمورهم في الدنيا والآخرة

وللإمامة لهم ما دام حيا .

لكن الذي يجب أن لا يغفل عنه الباحث أن

هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التي

تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش ، وعباد الله

أرقاء له يفعل بهم ما يشاء ويحكم فيهم ما يريد ،

وليست هي من الطرق الاجتماعية التي وضعت

على أساس التمتع المادي من الديموقراطية

وغيرها ، فإن بينها وبين الإسلام فروقا بينة مانعة

من التشابه والتماثل .

ومن أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت

على أساس التمتع المادي نفخت في قالبها روح

الاستخدام والاستثمار ، وهو الاستكبار الإنساني

الذي يجعل كل شئ تحت إرادة الإنسان وعمله

حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان ، ويبيح له

طريق الوصول إليه والتسلط على ما يهواه ويأمله

منه لنفسه ، وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في

الأعصار السالفة ، وقد ظهرت في زي الاجتماع

المدني على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم

الملل القوية وإجحافاتهم وتحكماتهم بالنسبة إلى

الأمم الضعيفة ، وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم

المضبوطة في التواريخ .

فقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة

والأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكمه

ولعبه كل ما يريده ويهواه ، ويعتذر - لو اعتذر -

أن ذلك من شؤون السلطنة ولصلاح المملكة

وتحكيم أساس الدولة ، ويعتقد أن ذلك حق

نبوغه وسيادته ، ويستدل عليه بسيفه ، كذلك إذا

تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين

____________________

( 1 ) الشورى : 13 .

( 2 ) آل عمران : 144 ، 195 .

( 3 ) آل عمران : 144 ، 195 .

( 4 ) الأعراف : 128 .

( 5 ) الجمعة : 2 .

الصفحة 216 من 245