ولا تتفرقوا فيه ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( وما محمد إلا رسول
قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم
على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله
شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) * ( 2 ) إلى غير ذلك من
الآيات الكثيرة .
ويستفاد من الجميع أن الدين صبغة اجتماعية
حمله الله على الناس ولا يرضى لعباده الكفر ، ولم
يرد إقامته إلا منهم بأجمعهم ، فالمجتمع -
المتكون منهم - أمره إليهم من غير مزية في ذلك
لبعضهم ولا اختصاص منه ببعضهم ، والنبي ومن
دونه في ذلك سواء ، قال تعالى : * ( أني لا أضيع
عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من
بعض ) * ( 3 ) فإطلاق الآية تدل على أن التأثير
الطبيعي الذي لأجزاء المجتمع الإسلامي في
مجتمعهم مراعى عند الله سبحانه تشريعا كما
راعاه تكوينا وأنه تعالى لا يضيعه ، وقال تعالى :
* ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة
للمتقين ) * ( 4 ) .
نعم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الدعوة والهداية
والتربية ، قال تعالى : * ( يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * ( 5 ) ،
فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المتعين من عند الله للقيام على شأن
الأمة وولاية أمورهم في الدنيا والآخرة
وللإمامة لهم ما دام حيا .
لكن الذي يجب أن لا يغفل عنه الباحث أن
هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التي
تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش ، وعباد الله
أرقاء له يفعل بهم ما يشاء ويحكم فيهم ما يريد ،
وليست هي من الطرق الاجتماعية التي وضعت
على أساس التمتع المادي من الديموقراطية
وغيرها ، فإن بينها وبين الإسلام فروقا بينة مانعة
من التشابه والتماثل .
ومن أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت
على أساس التمتع المادي نفخت في قالبها روح
الاستخدام والاستثمار ، وهو الاستكبار الإنساني
الذي يجعل كل شئ تحت إرادة الإنسان وعمله
حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان ، ويبيح له
طريق الوصول إليه والتسلط على ما يهواه ويأمله
منه لنفسه ، وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في
الأعصار السالفة ، وقد ظهرت في زي الاجتماع
المدني على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم
الملل القوية وإجحافاتهم وتحكماتهم بالنسبة إلى
الأمم الضعيفة ، وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم
المضبوطة في التواريخ .
فقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة
والأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكمه
ولعبه كل ما يريده ويهواه ، ويعتذر - لو اعتذر -
أن ذلك من شؤون السلطنة ولصلاح المملكة
وتحكيم أساس الدولة ، ويعتقد أن ذلك حق
نبوغه وسيادته ، ويستدل عليه بسيفه ، كذلك إذا
تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين
____________________
( 1 ) الشورى : 13 .
( 2 ) آل عمران : 144 ، 195 .
( 3 ) آل عمران : 144 ، 195 .
( 4 ) الأعراف : 128 .
( 5 ) الجمعة : 2 .




