مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 178 من 245

مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته ، فهم

يعبدون الله ولا يريدون في شئ من أعمالهم فعلا

أو تركا إلا وجهه ، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب

يخوفهم ، ولا إلى ثواب يرجيهم ، وإن خافوا عذابه

ورجوا رحمته ، وإلى هذا يشير قوله ( عليه السلام ) : " ما

عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك ، بل

وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " .

وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء

مرضاة ربهم ومحضوا أعمالهم في طلب غاية هو

ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية ، وذلك أنهم

يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه ، وقد سمى نفسه

بأحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ،

ومن خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى

الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق ! وقال

تعالى : * ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل

شئ فاعبدوه ) * ( 1 ) ثم قال : * ( الذي أحسن كل

شئ خلقه ) * ( 2 ) فأفاد أن الخلقة تدور مدار الحسن

وأنهما متلازمان متصادقان ، ثم ذكر سبحانه في

آيات كثيرة أن ما خلقه من شئ آية تدل عليه وأن

في السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب ،

فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي

شيئا من جماله وجلاله .

فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل

على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثنى على

حسنه الذي لا يفنى ، ومن جهة ما فيها من أنواع

النقص والحاجة تدل على غناه المطلق وتسبح

وتنزه ساحة القدس والكبرياء ، كما قال تعالى :

* ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) * ( 3 ) .

فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق

هداهم إليه ربهم وعرفها لهم ، وهو أنها

آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس

لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلا أنها

كمرائي تجلي بحسنها ما وراءها من الحسن غير

المتناهي ، وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من

الغنى المطلق ، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من

العزة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه

النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزة

والعظمة ويغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه

نفسه وكل شئ ، ويمحو رسم الأهواء والأميال

النفسانية عن باطنه ، ويبدل فؤاده قلبا سليما

ليس فيه إلا الله عز اسمه ، قال تعالى : * ( والذين

آمنوا أشد حبا لله ) * ( 4 ) .

ولذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين

الآخرين أعني طريق العبادة خوفا وطريق

العبادة طمعا لا يخلوان من شرك ، فإن الذي

يعبده تعالى خوفا من عذابه يتوسل به تعالى إلى

دفع العذاب عن نفسه ، كما أن من يعبده طمعا في

ثوابه يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة ،

ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده

لم يعبده ولا حام حول معرفته ، وقد تقدمت

الرواية عن الصادق ( عليه السلام ) : " هل الدين إلا الحب "

وقوله ( عليه السلام ) في حديث : " وإني أعبده حبا له وهذا

مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون . . . " الحديث ،

____________________

( 1 ) الأنعام : 102 .

( 2 ) ألم السجدة : 7 .

( 3 ) الإسراء : 44 .

( 4 ) البقرة : 165 .

الصفحة 178 من 245