مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 175 من 245

الطيبة في المجتمع ، قال تعالى : * ( ألم

تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة

أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها

كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس

لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة

خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) * ( 1 ) .

فجعل الإيمان بالله كشجرة لها أصل وهو

التوحيد لا محالة ، واكل تؤتيه كل حين بإذن

ربها وهو العمل الصالح ، وفرع وهو الخلق الكريم

كالتقوى والعفة والمعرفة والشجاعة والعدالة

والرحمة ونظائرها .

وقال تعالى : * ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل

الصالح يرفعه ) * ( 2 ) ، فجعل سعادة الصعود إلى الله

- وهو القرب منه تعالى - للكلم الطيب وهو

الاعتقاد الحق ، وجعل العمل الذي يصلح له

ويناسبه هو الذي يرفعه ويمده في صعوده .

بيان ذلك : أن من المعلوم أن الإنسان لا يتم

له كماله النوعي ولا يسعد في حياته - التي

لا بغية له أعظم من إسعادها - إلا باجتماع من

أفراد يتعاونون على أعمال الحياة على ما فيها من

الكثرة والتنوع ، وليس يقوى الواحد من الإنسان

على الإتيان بها جميعا .

وهذا هو الذي أحوج الإنسان الاجتماعي إلى

أن يتسنن بسنن وقوانين يحفظ بها حقوق الأفراد

عن الضيعة والفساد ، حتى يعمل كل منهم ما في

وسعه العمل به ، ثم يبادلوا أعمالهم فينال كل من

النتائج المعدة ما يعادل عمله ويقدره وزنه

الاجتماعي من غير أن يظلم القوي المقتدر أو

يظلم الضعيف العاجز .

ومن المسلم أن هذه السنن والقوانين لا تثبت

مؤثرة إلا بسنن وقوانين أخرى جزائية تهدد

المتخلفين عن السنن والقوانين المتعدين على

حقوق ذوي الحقوق ، وتخوفهم بالسيئة قبال

السيئة ، وبأخرى تشوقهم وترغبهم في عمل

الخيرات ، وتضمن إجراء الجميع القوة الحاكمة

التي تحكم فيهم وتتسيطر عليهم بالعدل والصدق .

وإنما تتحقق هذه الأمنية إذا كانت القوة

المجرية للقوانين عالمة بالجرم وقوية على

المجرم ، وأما إذا جهلت ووقع الإجرام على جهل

منها أو غفلة - وكم له من وجود - فلا مانع يمنع من

تحققه ، والقوانين لا أيدي لها تبطش بها ، وكذا إذا

ضعفت الحكومة بفقد القوى اللازمة أو مساهلة

في السياسة والعمل فظهر عليها المجرم أو كان

المجرم أشد قوة ضاعت القوانين وفشت

التخلفات والتعديات على حقوق الناس ،

والإنسان - كما مر مرارا في المباحث السابقة من

هذا الكتاب - مستخدم بالطبع يجر النفع إلى نفسه

ولو أضر غيره .

ويشتد هذا البلوى إذا تمركزت هذه القوة في

القوة المجرية أو من يتولى أزمة جميع الأمور ،

فاستضعف الناس وسلب منهم القدرة على رده

إلى العدل وتقويمه بالحق ، فصار ذا قوة وشوكة

لا يقاوم في قوته ولا يعارض في إرادته .

والتواريخ المحفوظة مملوءة من قصص

____________________

( 1 ) إبراهيم : 24 - 26 .

( 2 ) فاطر : 10 .

الصفحة 175 من 245