مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 113 من 245

ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من

قطعات الأرض على حسب مساعيهم في الحياة

وبأسهم وشدتهم ، وتخصيصها بأنفسهم وتسميتها

وطنا يألفونه ويذبون عنه بكل مساعيهم .

وهذا وإن كان أمرا ساقهم إلى ذلك الحوائج

الطبيعية التي يدفعهم الفطرة إلى رفعها ،

غير أن فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة

الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد ، فإن

من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى

المتشتتة وتألفها وتقويها بالتراكم والتوحد ،

لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم

وأصلح ، وهذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية

حتى تصير عنصرا ثم . . . ثم نباتا ثم حيوانا

ثم إنسانا .

والانشعابات بحسب الأوطان تسوق الأمة

إلى توحد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات

الوطنية الأخرى ، فيصير واحدا منفصل الروح

والجسم عن الآحاد الوطنية الأخرى ، فتنعزل

الإنسانية عن التوحد والتجمع وتبتلي من

التفرق والتشتت بما كانت تفر منه ، ويأخذ

الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة

( أعني الآحاد الاجتماعية ) بما يعامل به الإنسان

سائر الأشياء الكونية من استخدام واستثمار وغير

ذلك ، والتجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول

الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك ، وما نقلناه من

الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في

استفادة ذلك من القرآن الكريم .

وهذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه

الانشعابات والتشتتات والتميزات ، وبنى

الاجتماع على العقيدة دون الجنسية والقومية

والوطن ونحو ذلك ، حتى في مثل الزوجية

والقرابة في الاستمتاع والميراث ، فإن المدار

فيهما على الاشتراك في التوحيد لا المنزل

والوطن مثلا .

ومن أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند

البحث عن شرائع هذا الدين أنه لم يهمل أمره في

حال من الأحوال ، فعلى المجتمع الإسلامي عند

أوج عظمته واهتزاز لواء غلبته أن يقيموا الدين

ولا يتفرقوا فيه ، وعليه عند الاضطهاد والمغلوبية

ما يستطيعه من إحياء الدين وإعلاء كلمته . . .

وعلى هذا القياس ، حتى أن المسلم الواحد عليه

أن يأخذ به ويعمل منه ما يستطيعه ولو كان بعقد

القلب في الاعتقاديات والإشارة في الأعمال

المفروضة عليه .

ومن هنا يظهر أن المجتمع الإسلامي قد جعل

جعلا يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال وعلى

كل التقادير من حاكمية ومحكومية وغالبية

ومغلوبية وتقدم وتأخر وظهور وخفاء وقوة

وضعف . ويدل عليه من القرآن آيات التقية

بالخصوص ، قال تعالى : * ( من كفر بالله من بعد

إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( 1 )

وقوله : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ( 2 ) وقوله : * ( فاتقوا

الله ما استطعتم ) * ( 3 ) وقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا

____________________

( 1 ) النحل : 106 .

( 2 ) آل عمران : 28 .

( 3 ) التغابن : 16 .

الصفحة 113 من 245