علينا إصرا ) * وقيل : ثقلا ، وتحقيقه ما ذكرت .
انتهى . والأغلال جمع غل ، وهو ما يقيد به . . .
وذكره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذه الأوصاف الثلاث : الرسول
النبي الأمي ، ولم يجتمع له في موضع من كلامه
تعالى إلا في هذه الآية والآية التالية ، مع قوله
تعالى بعده : * ( الذي يجدونه مكتوبا عندهم في
التوراة والإنجيل ) * تدل على أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان
مذكورا فيهما معرفا بهذه الأوصاف الثلاث .
ولولا أن الغرض من توصيفه بهذه الثلاث هو
تعريفه بما كانوا يعرفونه به من النعوت المذكورة له
في كتابيهم لما كانت لذكر الثلاث - الرسول النبي
الأمي - وخاصة الصفة الثالثة نكتة ظاهرة .
وكذلك ظاهر الآية يدل أو يشعر بأن قوله :
* ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) * إلى
آخر الأمور الخمسة التي وصفه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بها في الآية
من علائمه المذكورة في الكتابين ، وهي مع ذلك
من مختصات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وملته البيضاء فإن الأمم
الصالحة وإن كانوا يقومون بوظيفة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكره تعالى من
أهل الكتاب في قوله : * ( ليسوا سواء من أهل
الكتاب أمة قائمة - إلى أن قال - ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في
الخيرات وأولئك من الصالحين ) * ( 1 ) .
وكذلك تحليل الطيبات وتحريم الخبائث في
الجملة من جملة الفطريات التي أجمع عليها
الأديان الإلهية ، وقد قال تعالى : * ( قل من
حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات
من الرزق ) * ( 2 ) .
وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان مما
يوجد في الجملة في شريعة عيسى ( عليه السلام ) كما يدل
عليه قوله فيما حكى الله عنه في القرآن الكريم :
* ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم
بعض الذي حرم عليكم ) * ( 3 ) ويشعر به قوله خطابا
لبني إسرائيل : * ( قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم
بعض الذي تختلفون فيه ) * ( 4 ) .
إلا أنه لا يرتاب ذو ريب في أن الدين
الذي جاء به محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بكتاب من عند الله
مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية -
وهو دين الإسلام - هو الدين الوحيد الذي نفخ
في جثمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل
ما يسعه من روح الحياة ، وبلغ به من حد الدعوة
الخالية إلى درجة الجهاد في سبيل الله بالأموال
والنفوس ، وهو الدين الوحيد الذي أحصى جميع
ما يتعلق به حياة الإنسان من الشؤون والأعمال
ثم قسمها إلى طيبات فأحلها ، وإلى خبائث
فحرمها ، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرعة
أي شريعة دينية وقانون اجتماعي ، وهو الدين
الذي نسخ جميع الأحكام الشاقة الموضوعة على
أهل الكتاب واليهود خاصة ، وما تكلفها
علماؤهم وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من
الأحكام المبتدعة .
____________________
( 1 ) آل عمران : 114 .
( 2 ) الأعراف : 32 .
( 3 ) آل عمران : 50 .
( 4 ) الزخرف : 63 .




