غيرك ؟ ما نرى أحدا يصدقك بالذي تقول ، وذلك
في أول ما دعاهم وهو يومئذ بمكة ، قالوا : ولقد
سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك
ذكر عندهم ، فأتنا بمن يشهد أنك رسول الله ؟ قال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : * ( الله بيني وبينكم . . . ) * الآية ( 1 ) .
تبيين :
يمكن أن نتصور شهادة الله تعالى على نبوة
الأنبياء عن طريقين :
أ - الشهادة القولية .
ب - الشهادة العملية .
والشهادة القولية يمكن أن تكون على لونين :
1 - الوحي والإلهام : يمكن لله تعالى أن يعلن
للناس عن نبوة شخص ما ، ويقدم الشهادة على
نبوته بواسطة الوحي والإلهام ، غير أن الاستعانة
بهذا الطريق تكون في دائرة الإمكان حينما يتوفر
الناس على استعداد تلقي الوحي والإلهام .
وبعبارة أخرى : إن الإشكال ليس من جهة
المرسل ، بل من جهة المستقبل ، فإذا كان
المستقبل - الذي هو الناس - قادرا على تلقي
كلام الله أمكن أن يرسل الله تعالى لهم نداءه بصدد
نبوة نبيه ، وبشكل مباشر .
ويستفاد من القرآن الكريم أن الله تعالى
استخدم هذا الأسلوب بصدد نبوة بعض الأنبياء ،
كما هو الحال بالنسبة لنبوة عيسى لدى
الحواريين ، حيث يقول : * ( وإذ أوحيت إلى
الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد
بأننا مسلمون ) * ( 2 ) .
2 - المعجزة القولية : يختص الطريق الأول
بأولئك النفر الذين استبعدوا حجب المعرفة
القلبية ، وأمكنهم الارتباط بالمصدر عن طريق
القلب بغية أن يتوفروا على حقائق المعرفة .
غير أن الطريق الثاني طريق عام ، يعني يمكن
بواسطة هذا الطريق أن تستعين عامة الناس الذين
ليست لديهم القدرة على المعرفة القلبية .
وهذا الطريق عبارة عن أن الله تعالى يشهد
على نبوة نبيه بواسطة مقال معجز بذاته ، يعني أن
عامة الناس تفهم بوضوح أن هذا الكلام ليس
كلاما بشريا ، وأن الإنسان مهما ارتقى في مدارج
العلم والثقافة والأدب لا يقدر أن يأتي بمثل هذا
الحديث .
أما الشهادة العملية فيمكن أن تكون على
لونين أيضا :
1 - المعجزة : وهي عبارة عن فعل يدل على
ارتباط مدعي النبوة بالله تعالى ، ومن هنا يعبر
القرآن الكريم عن هذا الفعل بالآية والبينة ، نظير
إلقاء العصا وإحياء الموتى .
على هذا الأساس فإذا توفر مدعي النبوة على
معجزة فهي - أي المعجزة - شهادة عملية من قبل
الله تعالى على صدق المدعي .
2 - التقرير : إذا افترضنا أن شخصا قدم نفسه
للناس بوصفه ممثلا لشخصية ما ، وألقى على
الناس في حضور تلك الشخصية بيانا يدعي فيه
أنه من قبلها ، والتزمت تلك الشخصية الصمت
دون عذر ، فمثل هذا السكوت والصمت تقرير
____________________
( 1 ) البحار : 18 / 234 / 76 .
( 2 ) سورة المائدة : 111 .




