مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 232 من 242

الإنفاق المندوب كالانفاق الواجب ، لا مجرد عدم

الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك .

وبذلك يتبين أيضا معنى ما خاطب به أبو ذر

عثمان بن عفان لما دخل عليه على ما تقدم في

رواية الطبري حيث قال له : لا ترضوا من الناس

بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي

لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى

الجيران والإخوان ويصل القرابات .

فإن لفظه كالصريح أو هو صريح في أنه لا يرى كل

إنفاق فيما يفضل من المؤنة بعد الزكاة واجبا ،

وأنه يقسم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما

ينبغي ، غير أنه يعترض بانقطاع سبل الإنفاق من

غير جهة الزكاة وانسداد باب الخيرات بالكلية ،

وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة

العامة المشرعة .

يقول : ليست هي حكومة استبدادية

قيصرانية أو كسروانية ، لا وظيفة لها إلا بسط

الأمن وكف الأذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس

بعضا ، ثم الناس أحرار فيما فعلوا غير ممنوعين

عما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرطوا ، أصلحوا أو

أفسدوا ، اهتدوا أو ضلوا وتاهوا ، والمتقلد

لحكومتهم حر فيما عمل ولا يسأل عما يفعل .

وإنما هي حكومة اجتماعية دينية لا ترضى

عن الناس بمجرد كف الأذى ، بل تسوق الناس

في جميع شؤون معيشتهم إلى ما يصلح لهم

ويهيئ لكل من طبقات المجتمع - من أميرهم

ومأمورهم ورئيسهم ومرؤوسهم ومخدومهم

وخادمهم وغنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم - ما

يسع له من سعادة حياتهم ، فترفع حاجة الغني

بإمداد الفقير وحاجة الفقير بمال الغني ، وتحفظ

مكانة القوي باحترام الضعيف وحياة الضعيف

برأفة القوي ومراقبته ، ومصدرية العالي بطاعة

الداني وطاعة الداني بنصفة العالي وعدله ، ولا يتم

هذا كله إلا بنشر المبرات وفتح باب الخيرات ،

والعمل بالواجبات على ما يليق بها والمندوبات

على ما يليق بها ، وأما القصر على القدر الواجب

وترك الإنفاق المندوب من رأس فإن فيه هدما

لأساس الحياة الدينية ، وإبطالا لغرض الشارع ،

وسيرا حثيثا إلى نظام مختل وهرج ومرج وفساد

عريق لا يصلحه شئ ، كل ذلك عن المسامحة في

إحياء غرض الدين ، والمداهنة مع الظالمين * ( إلا

تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) * .

وكذلك قول أبي ذر لمعاوية فيما تقدم من

رواية الطبري : ما يدعوك إلى أن تسمي مال

المسلمين مال الله ؟ قال : يرحمك الله يا أبا ذر

ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر

أمره ؟ قال : فلا تقله .

فإن الكلمة التي كان يقولها معاوية وعماله

ومن بعده من خلفاء بني أمية وإن كانت كلمة حق

وقد رويت عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويدل عليها كتاب الله ،

لكنهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله

سبحانه ، فإن المراد به أن المال لا يختص به أحد

بعزة أو قوة أو سيطرة وإنما هو لله ينفق في سبيله

على حسب ما عينه من موارد إنفاقه ، فإن كان مما

اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو نحوهما فله حكمه ،

وإن كان مما حصلته الحكومة الإسلامية من

الصفحة 232 من 242