مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 107 من 242

لا يقدر على شئ ، وآخر رزق من الله رزقا حسنا

ينفق منه سرا وجهرا ، ثم يسأل هل يستويان ؟ !

واعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلا من

الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع

تبيين الأوصاف بعضها لبعض .

فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه

ولا لشئ من متاع الحياة وهو غير قادر على

التصرف في شئ من المال ، والذي فرض قباله

حر يملك نفسه وقد رزقه الله رزقا حسنا ، وهو

ينفق منه سرا وجهرا على قدرة منه على التصرف

بجميع أقسامه .

وقوله : * ( هل يستوون ) * سؤال عن تساويهما ، ومن

البديهي أن الجواب هو نفي التساوي ، ويثبت به

أن الله سبحانه - وهو المالك لكل شئ المنعم

بجميع النعم - لا يساوي شيئا من خلقه وهم

لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على

شئ من التصرف ، فمن الباطل قولهم : إن مع الله

آلهة غيره وهم من خلقه .

والتعبير بقوله : * ( يستوون ) * دون أن يقال :

يستويان ، للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس

من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل .

وقوله : * ( الحمد لله ) * أي له عز اسمه جنس

الحمد وحقيقته ، وهو الثناء على الجميل

الاختياري ، لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد

إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه ،

فافهم ذلك .

والجملة من تمام الحجة ، ومحصلها : أنه

لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في

شئ وينعم بشئ ، والمالك الذي يملك الرزق

ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف

شاء ، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من

نعمة إلا وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها

كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإحسان

والإنعام وغيرها ، فله كل ثناء جميل ، وما يعبدون

من دونه مملوك لا يقدر على شئ فهو سبحانه

الرب وحده دون غيره .

وقد قيل : إن الحمد في الآية شكر على نعمه

تعالى ، وقيل : حمد على تمام الحجة وقوتها ،

وقيل : تلقين للعباد ومعناه قالوا : الحمد لله الذي

دلنا على توحيده وهدانا إلى شكر نعمه ، وهي

وجوه لا يعبأ بها .

وقوله : * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * أي أكثر

المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك

غيره شيئا ولا يقدر على شئ ، بل يثبتون

لأوليائهم شيئا من الملك والقدرة على سبيل

التفويض فيعبدونهم طمعا وخوفا ، هذا حال

أكثرهم وأما أقلهم من الخواص فإنهم على علم

من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا وعنادا .

وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب

في الله سبحانه وفيمن يزعمونه شريكا له في

الربوبية : وقيل : إنها مثل تمثل به حال

الكافر المخذول والمؤمن الموفق ، فإن الكافر

لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد

المملوك الذي لا يقدر على شئ فلا يعد له إحسان

وإن أنفق وبالغ ، بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله

لمرضاته ويشكر مساعيه ، فهو ينفق مما عنده

الصفحة 107 من 242