مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 100 من 242

بالصوت ونحوه بخلاف الدعاء .

والمعنى - والله أعلم - ومثلك في دعاء الذين

كفروا كمثل الذي ينعق من البهائم بما لا يسمع

من نعيقه إلا دعاء ونداء ما ، فينزجر بمجرد

قرع الصوت سمعه من غير أن يعقل شيئا ، فهم

صم لا يسمعون كلاما يفيدهم ، وبكم لا يتكلمون

بما يفيد معنى ، وعمي لا يبصرون شيئا فهم

لا يعقلون شيئا ، لأن الطرق المؤدية إلى التعقل

مسدودة عليهم .

ومن ذلك يظهر أن في الكلام قلبا أو عناية

أخرى يعود إليه ، فإن المثل بالذي ينعق بما

لا يسمع إلا دعاء ونداء مثل الذي يدعوهم إلى

الهدى لا مثل الكافرين المدعوين إلى الهدى ،

إلا أن الأوصاف الثلاثة التي استنتج واستخرج

من المثل وذكرت بعده - وهي قوله : * ( صم بكم

عمي فهم لا يعقلون ) * - لما كانت أوصافا للذين

كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحق استوجب ذلك أن

ينسب المثل إلى الذين كفروا لا إلى رسول الله

تعالى ، فأنتج ما أشبه القلب ( 1 ) .

" قوله تعالى : * ( مثل الذين كفروا بربهم

أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم

عاصف . . . ) * إلى آخر الآية ، يوم عاصف شديد

الريح ، تمثيل لأعمال الكفار من حيث تترتب

نتائجها عليها ، وبيان أنها حبط باطلة لا أثر لها من

جهة السعادة ، فهو كقوله تعالى : * ( وقدمنا إلى ما

عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) * ( 2 ) ،

فأعمالهم كذرات من الرماد اشتدت به الريح في

يوم شديد الريح فنثرته ولم يبق منه شيئا ، هذا

مثلهم من جهة أعمالهم .

ومن هنا يظهر أن لا حاجة إلى تقدير شئ

في الكلام وإرجاعه إلى مثل قولنا : مثل أعمال

الذين كفروا . . . إلخ ، والظاهر أن الآية ليست من

تمام كلام موسى ، بل هي كالنتيجة المحصلة من

كلامه المنقول ( 3 ) .

قوله تعالى : * ( والذين كفروا أعمالهم كسراب

بقيعة يحسبه الظمآن ماء . . . ) * إلى آخر الآية ،

السراب هو ما يلمع في المفازة كالماء ولا حقيقة

له ، والقيع والقاع هو المستوي من الأرض ،

ومفرداهما القيعة والقاعة كالتينة والتمرة ،

والظمآن هو العطشان .

لما ذكر سبحانه المؤمنين ووصفهم بأنهم

ذاكرون له في بيوت معظمة لا تلهيهم عنه تجارة

ولا بيع ، وأن الله الذي هو نور السماوات والأرض

يهديهم بذلك إلى نوره فيكرمهم بنور معرفته ،

قابل ذلك بذكر الذين كفروا فوصف أعمالهم تارة

بأنها لا حقيقة لها كسراب بقيعة فلا غاية لها تنتهي

إليها ، وتارة بأنها كظلمات بعضها فوق بعض لا نور

معها وهي حاجزة عن النور ، وهذه الآية هي التي

تتضمن الوصف الأول .

فقوله : * ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة

يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) *

شبه أعمالهم - وهي التي يأتون بها من قرابين

وأذكار وغيرهما من عباداتهم يتقربون بها إلى

____________________

( 1 ) الميزان : 1 / 420 .

( 2 ) الفرقان : 23 .

( 3 ) الميزان : 12 / 36 .

الصفحة 100 من 242