فبينا نحن كذلك فاذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملأ الفضاء أحسن من ريح نوافج المسك الأذفر، وأروح للقلب من النسيم اذا تسحّر، ورأيت في خلال أشعة القمر إشعاعاً كشعلة النّار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرّجل الداعي، فالتفتّ فاذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زيّ لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجّادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال، قاصداً باب مسلم ولم يبقَ لنا من الحواسّ الّا البصر الخاسر واللبّ الطّائر، فلمّا صار بحذائنا من طرف القبلة سلّم علينا.
قال (رحمه الله): أمّا رفيقي فلم يبقَ له شعور أصلا، ولم يتمكّن من الرّد وأمّا أنا فاجتهدت كثيراً إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقّة، فلمّا دخل باب المسجد [ في ساحة مقبرة مسلم ] وغاب عنّا تراجعت القلوب إلى الصّدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرّجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين، فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلباً للتشرّف بلقاء خليفة العصر (عليه السلام)، وناموس الدّهر عجّل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزوّد من لقائه ظاهراً، غير انّي حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فاذا به (عليه السلام) واقفاً على رأسي فالتفتّ إليه (عليه السلام) فقال: " چه مى كنى؟ " أو " چه مى خوانى؟ " أي ما تفعل؟ أو ما تقرأ؟ والترديد من الفاضل المتقدّم، ولم أتمكّن من الجواب، فمضى عنّي كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسّرين(1).
يقول المؤلف:
سمعت مراراً الاستاذ السند وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله
____________________
1- راجع جنة المأوى: ص 263 264.
فبينا نحن كذلك فاذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملأ الفضاء أحسن من ريح نوافج المسك الأذفر، وأروح للقلب من النسيم اذا تسحر، ورأيت في خلال أشعة القمر إشعاعا كشعلة النار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرجل الداعي، فالتفت فاذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زي لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال، قاصدا باب مسلم ولم يبق لنا من الحواس الا البصر الخاسر واللب الطائر، فلما صار بحذائنا من طرف القبلة سلم علينا.
قال (رحمه الله): أما رفيقي فلم يبق له شعور أصلا، ولم يتمكن من الرد وأما أنا فاجتهدت كثيرا إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقة، فلما دخل باب المسجد [ في ساحة مقبرة مسلم ] وغاب عنا تراجعت القلوب إلى الصدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين، فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلبا للتشرف بلقاء خليفة العصر (عليه السلام)، وناموس الدهر عجل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزود من لقائه ظاهرا، غير اني حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فاذا به (عليه السلام) واقفا على رأسي فالتفت إليه (عليه السلام) فقال: " چه مى كنى؟ " أو " چه مى خوانى؟ " أي ما تفعل؟ أو ما تقرأ؟ والترديد من الفاضل المتقدم، ولم أتمكن من الجواب، فمضى عني كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسرين(1).
يقول المؤلف:
سمعت مرارا الاستاذ السند وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله
____________________
1- راجع جنة المأوى: ص 263 264.




