بحوائجهم ، وسألوا الله تعالى ، فيأتيهم بما سألوا. فانطلق وفد عاد فصعدوا الصفا ، يقدمهم قيل بن عتر (1). فلما استووا على الصفا يريدون أن يسألوا ، فقال قيل عاد حين دعا بإله هود : إن كان هود صادقا فاسقنا ، فإنا قد هلكنا ، فإنا لم نأتك لمريض تشفيه ، ولا لأسير فتفاديه ، فأنشأ الله ثلاث سحابات بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، وناداه مناد من السماء : يا قيل ، اختر لنفسك وقومك من هذه السحابات ، قال قيل : أما البيضاء فجفاء لا ماء فيها ، وأما الحمراء فعارض ، وأما السوداء فهي مطلخمّة (2) ، وهي أكثر ماء ، فقد اخترت السوداء. فناداه مناد قفال : اخترت رمادا رمددا (3) ، لا تبقي من آل عاد أحدا ، لا والدا ، تترك ولا ولدا ، إلا جعلته همدا (4) ، إلا بنو اللوذيّة الغمدا (5) ، وإنما يعني الفهدا : السام (6) ، وبنو اللوذيّة : بنو لقيم بن هزّال بن هويلة (7) بنت بكر ، وكانوا سكانا بمكة مع إخوانهم ، لم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عاد الآخرة ، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد.
وساق الله السحابة التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له : المغيث ، وقيل : إن الوالدي يقال له : الريان. كانوا إذا قحطوا فجاءتهم الريح من تلك الناحية مطروا. فلما رأوها جثلة (8) من ناحية الريان ، أو المغيث استبشروا بها ، فقالوا : قد جاءنا وفدنا بالمطر قالوا لهود : أني ما كنت توعّدنا؟ ما قولك إلا غرور (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) [سورة الأحقاف ، الآية : 24]. يقول الله عزوجل لهود : قل لهم (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها) [سورة الأحقاف ، الآيتان : 24 و 25] أي : كل شيء أمرت (9) به. فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح
__________________
(1) كذا بالأصل وتاريخ الطبري 1 / 136 وفي الكامل لابن الأثير 1 / 79 عير وفي البداية والنهاية 1 / 145 عنز.
(2) اطلخم الليل والسحاب : أظلم وتراكم (انظر اللسان وتاج العروس).
(3) بالأصل هنا : «رمدا» والصواب عن البداية والنهاية وتاريخ الطبري والكامل لابن الأثير. والرمدد بكسر الدال وفتحها : المتناهي في الاحتراق والدقة (انظر اللسان وتاج العروس).
(4) بالأصل : «مهمدا» والصواب عن المصادر السابقة.
(5) في الطبري والكامل لابن الأثير : «اللوذية المهدى» وفي البداية والنهاية : «اللودية الهمد» زيد في البداية والنهاية : قال : وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة.
(6) كذا بالأصل ، وليست اللفظة في المصادر السابقة.
(7) في تاريخ الطبري : هزيلة.
(8) بدون إعجام بالأصل ، أعجمت عن المختصر لابن منظور المطبوع ، والجثل : الضخم الكثيف من كل شيء.
(9) بالأصل : مرت ، والصواب عن الطبري والبداية والنهاية.




