مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 74 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 293 من 317

فقال يونس : يا جبريل ، إنما سألتك أن ترينيه صواما قواما ، قال جبريل : إنّ هذا كان قبل البلاء هكذا ، وقد أمرت أن أسلبه بصره ، قال : فأشار إلى عينيه ، فسالتا ، فقال : متّعتني بهما حيث شئت ، وسلبتنيهما حيث شئت ، وأبقيت لي (1) فيك طول الأمل ، يا بارئا رضاك. فقال جبريل : هلمّ تدعو الله ، وندعو معك فيردّ عليك يديك ورجليك وبصرك ، فتعود إلى العبادة التي كنت فيها ، قال : ما أحبّ ذلك ، قال : ولم؟ قال : أمّا إذا كانت محبّته في هذا فمحبّته أحبّ إليّ من ذاك. قال يونس : بالله يا جبريل ، ما رأيت أحدا أعبد من هذا قطّ. قال جبريل : يا يونس ، هذا طريق لا يوصل إلى الله عزوجل بشيء أفضل منه.

قال إسحاق بن بشر : وأخبرنا ابن سمعان ومقاتل وسليمان وسعيد بن بشير عن قتادة عن كعب قال :

إن يونس لحق بالعبّاد ، وكانت العباد حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل يخرجون إلى الفيافي والجبال والسواحل ؛ فمنهم من كان يأكل العشب ، ومنهم من كان يأكل ورق الشجر ، ومنهم من يطلب الرزق طلب الطير ويجزئه من الدنيا ما يجزئ الطير ، تركوا الدنيا ، فلولا هؤلاء ما نظر (2) الله إلى بني إسرائيل طرفة عين ، غير أنّ الله كان متجاوزا عنهم ، متعطفا عليهم ، يدفع عنهم بأوليائه (3).

قال كعب :

إنّ يونس لم يجامع الناس بعد ذلك حتى لحق بالله. وكان شعيا تلميذ يونس ، وكان عبدا صالحا ، قد اصطفاه الله ، وطهّره ، فلمّا مات يونس أمر شعيا أن يلحق (4) ببني إسرائيل ، وكان إذا ملك الملك على بني إسرائيل بعث الله معه نبيا يسدّده ، ويرشده ، ويكون فيما بينه وبين الله. قال : وشعيا (5) هو الذي بشّر بعيسى بن مريم ، وبشّر بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فخبّر بني إسرائيل أنّه يكون نبي يخلق من غير ذكر ، من عذراء صدّيقة طيّبة مباركة ، يركب الحمار ، يكون على

__________________

(1) في مختصر أبي شامة : لك.

(2) على هامش مختصر أبي شامة : ناظر.

(3) انظر تاريخ الطبري 1 / 313.

(4) غير واضحة في مختصر أبي شامة ، ولعل الصواب ما أثبت.

(5) وهو شعيا بن أمصيا ، وقد بعث قبل مبعث عيسى وزكريا ويحيى انظر أخباره في تاريخ الطبري 1 / 313 والكامل لابن الأثير 1 / 173.

الصفحة 293 من 317