اليوم منك شيئا (1) ، قال : وما هو؟ فأخبره بحاله التي خرج عليهم فيها ، قال : ويحك يا أبرش! كيف لا أكون بذلك ، وزعم أهل العلم بالنجوم أني أموت إلى ثلاثة وثلاثين يوما من يومي هذا؟ فكتبت : ذكر أمير المؤمنين أنه مسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوما من يومي هذا وأدرجت الكتاب ، وختمته. فلما كان في الليلة التي صبيحتها ثلاثة وثلاثون يوما أتاني خادم ، فقال : أدرك أمير المؤمنين ، وائت بالدواء معك وكان دواء الذّبحة (2) ، يكون معه فذهبت بالدواء إليه ، فجعل يتغرغر به ، وما يسكن عنه ما يجد ، حتى مضى من الليل شيء ، ثم قال : انصرف ، ودع الدواء عندي ، فقد وجدت بعض الراحة ، فانصرفت إلى منزلي ، فلم أنم حتى سمعت الصراخ عليه.
قال هشام يوما ، وهو يسير في موكبه : يا لك دنيا! ما أحسنك! لو لا أنك ميراث لآخرك ، وآخرك كأولك.
فلما (3) حضرته الوفاة نظر إلى ولده يبكون حوله ، فقال : جاد لكم هشام بالدنيا ، وجدتم عليه بالبكاء ، وترك لكم ما جمع ، وتركتم عليه ما كسب ، ما أعظم (4) منقلب هشام إن لم يغفر الله له!
كان نقش خاتم هشام : الحكم للحكم الحكيم (5).
حبس (6) هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد (7) ، وضربه ، وألبسه المسوح. فلم يزل محبوسا حتى مات هشام. فلما ثقل هشام وصار في حدّ لا يرجى لمن كان مثله في الحياة رهقته غشية ، وظنوا أنه مات ، فأرسل عياض بن مسلم إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم ، ولا يصلنّ أحد إلى شيء ، وأفاق هشام من غشيته ، فطلبوا من الخزان شيئا ، فمنعوهم (8) ، فقال هشام : إنا (9) كنا خزانا للوليد. ومات هشام من ساعته
__________________
(1) في أنساب الأشراف : «ما غمني» بدلا من «شيئا».
(2) الذباح والذبحة : داء يأخذ في الحلق ، وربما قتل (اللسان).
(3) الخبر في البداية والنهاية 6 / 504 وأنساب الأشراف 8 / 421 نقلا عن المدائني.
(4) في البداية والنهاية : أسوأ.
(5) البداية والنهاية 6 / 504.
(6) الخبر في أنساب الأشراف 8 / 382.
(7) في أنساب الأشراف : مولى عبد الملك بن مروان ، وهو كاتبه.
(8) أنساب الأشراف : فطلب شيئا فمنعه.
(9) أنساب الأشراف : أرانا كنا.




