مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 74 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 224 من 317

فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكي حتى ابتلّ لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ، ثم قال لي : يا بني (1) ، تلوم أهل الرّي في قولهم : يوسف بن الحسين زنديق؟ ومن (2) وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن ، لم يقطر من عيني قطرة ، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت :

وفي رواية :

قال : لما ورد على الجنيد رسالة يوسف بن الحسين ، اشتقت إليه ، فخرجت إلى الري ، فلما دخلتها سألت عنه ، فقالوا : إيش تعمل بذلك الزنديق. فلم أحضره ، فلما وقع في قلبي الخروج من الري ، قلت : لا بد أن ألقاه على أي حال ، قال : فحضرت بابه ، فلما دفعت الباب تغير عليّ حالي ، فدخلت عليه ، فإذا بين يديه رجل وعليه مصحف وهو يقرأ فيه ، فقال لي : من أين أنت؟ قلت من بغداد ، قال : لإيش جئت؟ قلت : جئت زائرا لك. فقال : أرأيت لو ظهر لك في بعض هذه البلدان التي جزت بها من يشتري لك فيها دارا وجارية ويقيم بكفايتك أكنت تقطع بذلك عني؟ قلت : يا سيدي ما ابتلاني الله بذلك ، ولا ابتلاني الله أنه ما كنت أدري كيف يكون ، قال : أقعد أنت عامل تحسن تقول شيئا؟ قلت : نعم. قال : هات ، قل شيء (3) فقلت :

رأيتك تبني دائما في قطيعتي  

 

ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني  

كأني بكم واللبث أفضل قولكم  

 

ألا ليتنا كنا (4) إذا اللبث لا يغني  

قال : فبكى حتى رحمته ، فلما سكن ما به قال : لا يا أخي لا تلم أهل الري على أن يسموني زنديقا ، أنا من الغداة أقرأ في هذا المصحف ، ما خرجت من عيني دمعة ، وقد وقع فيما عنيت به ما رأيت.

قال يوسف بن الحسين :

أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه يلبث فيه على لون آخر.

__________________

كأني بكم واللبث أفضل قولكم  

 

ألا ليتنا نبني إذا الليث لا يغني  

(1) في الرسالة القشيرية : يا بني ، لا تلم أهل الري على قولهم عني زنديق.

(2) في مختصر أبي شامة : «من» والمثبت عن تاريخ بغداد والرسالة القشيرية.

(3) كذا.

(4) في حلية الأولياء : نبني.

الصفحة 224 من 317