مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 73 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 314 من 389

أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال ، فخلا بها أياما (1) ، وأخرج كل قينة من داره ، واصطبح يوما ، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة في الشراب وغيره زهاء ألفي جارية في أحسن زي ، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر ، واتصل الخبر بأم جعفر (2) فغلظ عليها ذلك ، فأرسلت إلى عليّة (3) تشكو إليها ، فأرسلت إليها عليّة : لا يهولنك هذا ، فو الله لأردنه [إليك](4) ، وأنا أعمل شعرا ، وأصوغ فيه لحنا ، وأطرحه على جواريّ ، فلا تدعي عندك جارية إلا بعثت بها إلي ، وألبسيهن فاخر الثياب والحلي ليأخذن الصوت مع جواري ، ففعلت أم جعفر ما أمرتها. فلما جاء وقت العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة قد خرجت عليه من حجرتها ، وأم جعفر قد خرجت من حجرتها معهما (5) زهاء ألفي جارية من جواريهما (6) وسائر جواري القصر ، وكلهن في لحن واحد هزج صنعته عليّة :

منفصل عني وما  

 

قلبي عنه منفصل  

يا قاطعي اليوم لمن  

 

نويت بعدي أن تصل  

فطرب الرشيد ، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية ، وهو على غاية السرور ، وقال : لم أر كاليوم قط ، ثم قال : يا مسرور ، لا يبقينّ في بيت المال درهم (7) إلا نثرته ، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ست آلاف ألف درهم ، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط.

دخلت أعرابية على هارون الرشيد ، فأخرج إليها ماردة (8) وكانت ذات جمال وشكل ، وكان الرشيد يحبها فأنشدته الأعرابية أشعارا تمدحه ببعضها ، وأنشدها الرشيد لنفسه في ماردة :

وتنال منك بحدّ مقلتها  

 

ما لا ينال بحده النصل  

__________________

(1) الأغاني : فخلا معها يوما.

(2) يعني زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور ، زوجته ، وأم ابنه الأمين.

(3) يعني علية بنت المهدي ، أخت هارون الرشيد ، أمها أم ولد ، مغنية ، وكانت علية من أحسن الناس وأظرفهم ، تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. انظر أخبارها في الأغاني 10 / 162.

(4) زيادة لازمة للإيضاح عن الأغاني.

(5) في الأغاني : معها.

(6) الأغاني : جواريها.

(7) في الأغاني : لا تبقين في بيت المال درهما.

(8) ماردة جارية ، قيل إنها أم المعتصم ، أهدته إياها أم جعفر انظر الأغاني 18 / 67 و 22 / 46.

الصفحة 314 من 389