مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 73 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 300 من 389

قال شعيب بن حرب (1) :

بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد ، فقلت لنفسي : قد وجب عليك الأمر والنهي ، فقالت لي : لا تفعل ، فإن هذا رجل جبار ، ومتى أمرته ضرب عنقك ، فقلت لنفسي : لا بد من ذلك. فلما دنا مني صحت : يا هارون ، قد أتعبت الأمة ، وأتعبت البهائم ، فقال : خذوه ، فأدخلت عليه ، وهو على كرسي وبيده عمود (2) يلعب به ، فقال : ممن الرجل؟ قلت : من أفناء الناس ، قال : ممن ثكلتك أمك؟ قلت : من الأبناء (3) ، قال : ما حملك على أن تدعوني باسمي؟! قال شعيب : فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال ، قلت : أنا أدعو الله باسمه ، فأقول : يا الله ، يا رحمن ، لا أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه (4) محمدا ، وكنى أبغض الخلق إليه : أبا لهب فقال : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) [سورة المسد ، الآية : 1] فقال : أخرجوه ، فأخرجوني.

قال ابن السماك (5) :

قلت للرشيد هارون : يا أمير المؤمنين ، إنك تموت وحدك ، وتقبر وحدك (6) ، فاحذر المقام بين يدي الجبار ، والوقوف بين الجنة والنار ، فإنك لا تقدم إلا على قادم مشغول ، ولا يخلف إلا جاهل مغرور ، يا أمير المؤمنين ، إنما هو دبيب من سقم حتى يؤخذ بالكظم (7) ، وتزل القدم ، ويقع الندم ، فلا توبة تنال (8) ، ولا عثرة تقال ، ولا يقبل فداء بمال ، فجعل أمير المؤمنين يبكي حتى علا صوته ، فالتفت إلي يحيى بن خالد فقال : قم ، فقد شققت على أمير المؤمنين منذ الليلة ، فقمت وأنا أسمع بكاءه.

__________________

(1) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية 10 / 235 236.

(2) في البداية والنهاية : لت من حديد ، واللت : القدوم والفأس العظيمة.

(3) أي من أبناء الخراسانية ، راجع ترجمة شعيب بن حرب أبي صالح المدائني في سير الأعلام 9 / 188. وفي البداية والنهاية : من الأنبار.

(4) في البداية والنهاية : أحب خلقه إليه بأسمائهم : يا آدم ، يا نوح ، يا هود ، يا صالح ، يا إبراهيم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا محمد.

(5) الخبر في البداية والنهاية 10 / 236.

(6) البداية والنهاية : وتدخل القبر وحدك ، وتبعث منه وحدك.

(7) الكظم : مخرج النفس من الحلق.

(8) البداية والنهاية : تقبل.

الصفحة 300 من 389