بالجفاء فهو أمغر (1) لأقدامهم ، وترك الصبحة (2) فإن عادتها تكسب الغفلة ، وقلة الضحك ، فإن كثرته تميت القلب ، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن ، فإنه بلغني من الثقات من حملة (3) القرآن أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بهما ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت العشب على الماء ، ولعمري لتوقّي ذلك بترك حضور تلك المواطن ، أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه ، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع (4) به ، وليفتح كلّ غلام منهم بجزء من القرآن يتثبت في قراءته ، فإذا فرغ منه ، تناول قوسه [ونبله](5) وخرج إلى الغرض حافيا ، فرمى سبعة أرشاق ثم انصرف إلى القائلة ؛ فإن ابن مسعود كان يقول : يا بني! قيلوا ، فإن الشياطين لا تقيل ، والسلام على من اتبع الهدى.
[قال ابن عساكر :](6) لا أحسب سهلا هو إلا سهل بن صدقة ، والله أعلم.
[9909] سهل الكندي
شيخ من شيوخ الصوفية.
حكى عنه أبو الحسن الشيباني.
أنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن صابر ، أنا أبو الفرج سهل بن بشر ، أنا الأستاذ أبو سعد إسماعيل بن المثنى العبقري ، أنا أبو الحسن الشيباني ، عن سهل الكندي الفقير قال : رأيت في طرق دمشق صومعة على جبل فصعدت إليه ، فإذا شاب عريان قد شدّ صخرة على رأس فؤاده ، نحيل الجسم ، مختلّ الحال ، وهو يبكي ويشهق ، فإذا أفاق من غشيته قال :
وإنّي لأخلو منذ فقدتك دائبا |
| وأنقش تمثالا لوجهك في الترب |
__________________
(1) بالأصل : أمعر ، وعند ابن الجوزي : أمعن ، والمثبت عن مختصر ابن منظور ، وأمغر يعني أسرع.
(2) الصبحة أي نوم الغداة ، وفي ابن الجوزي : الصحبة.
(3) في ابن الجوزي : من أهل العلم.
(4) في مختصر ابن منظور : يتتبع به.
(5) زيادة عن سيرة ابن الجوزي.
(6) زياد للإيضاح.




