مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 72 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 120 من 390

فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقال : ما ذا تقولون؟ فقالوا : وما ذا نقول! نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا ، وما جاء به نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كائن من ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب ، فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فما هذا الدين؟ فقال جعفر : أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، وتستحلّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحلّ شيئا ولا نحرّمه ، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلّي لله تعالى ، ونصوم له ، ولا نعبد غيره. قال : فقال : هل معك شيء مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته (1) فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ، فقال له جعفر : نعم. فقال : هلم فاتل عليّ ما جاء به. فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) [سورة مريم ، الآية : 1] فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة (2) التي جاء بها موسى ؛ انطلقوا راشدين (3) ، لا والله لا أردهم عليهم (4) ، ولا أنعمكم عينا. فخرجنا من عنده ، وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة. فقال عمرو ابن العاص : والله لآتينه (5) غدا بما استأصل به خضراءهم (6) ، فلأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل ، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا ، فقال : والله لأفعلن. فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عنه ، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض : ما ذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟ فقال : نقول والله الذي قاله الله تعالى ، والذي أمرنا به نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نقول فيه ؛ فدخلوا عليه وعنده بطارقته ، فقال : ما

__________________

(1) الأساقفة علماء النصارى الذين يقيمون لهم دينهم ، الواحد أسقف ، وقد يقال بتشديد الفاء.

(2) المشكاة : جاء في اللسان : وفي حديث النجاشي : إنما يخرج من مشكاة واحدة ، المشكاة : الكوة غير النافذة.

وقيل : هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل ، يريد أن القرآن والإنجيل كلام الله تعالى ، وأنهما من شيء واحد.

(3) يخاطب فيه المسلمين.

(4) أي على المشركين.

(5) سيرة ابن إسحاق : لآتينه.

(6) خضراءهم يعني شجرتهم التي منها تفرعوا.

الصفحة 120 من 390