مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 71 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 351 من 397

فكيف لا تقدر أنت في مثل خطرك وعظم ما أوتيت من الملك على أن تتخذ إلها ، فيخبرك بحاجتك ويكفيك ما أهمّك ، وتستغني به عن الناس ، ونحن لك على ذلك مؤازرون؟ قال بخت نصّر : فأنتم وذاك. قالوا : فأعطنا الطاعة والسلطان حتى نفرغ مما تريد ، ففعل بهم ذلك ، فعلموا صنما طوله في السماء سبعون ذرعا وعرضه عشرون ذراعا من الألواح ثم دسروه (1) بالحديد والمسامير ، وألبسوه الذهب ، وكلّلوه بالياقوت وألوان الجوهر ، ثم صنعوا له عيدا عظيما ، وذبحوا له الذبائح ، وواعدوا الناس لذلك اليوم يجتمعون فيه ، فيعبدون ذلك الصنم ويسجدون له ، واتخذوا أخدودا في الأرض ، فأوقدوا فيها نارا عظيمة ، وهم أصحاب الأخدود ، وكانت الأخدود باليمن وببابل ، فأما الذي كان باليمن فاتخذه يوسف ذو نواس الحميري (2) ، وهو الذي ملك حمير ، وكان صاحب عنفصير (3) ، وهو الذي قتل الناس وأحرقهم بالنار ليدعوا الإسلام (4).

وكانت الأخدود الأخرى ببابل اتخذها بخت نصر ، فلما اجتمع الناس يوم عيدهم ، أمروهم بالسجود لذلك الصنم فسجدوا ، فمن أبي حرّقوه في تلك الأخدود ، وكان بخت نصّر سبى من إيلياء سبعين ألف غلام ، فقسمهم في ملوك بابل ، ما خلا دانيال وميشائيل وميخائيل وعيصو ومرنيوس (5) فأقاموا بذلك زمانا يستخدمونهم حتى أدرك الوصفاء ، فأنكر أهل بابل شأنهم ، فقالوا لبخت نصّر : إنا أنكرنا شأننا منذ أدرك عبيدنا ، فإنا نحب أن تنفيهم منا فتخرجهم عنا ، أو تأذن لنا فنقتلهم. فقال لهم : أنتم وذاك. قال : فقتلوهم جميعا ، وبقي هؤلاء العدّة التي في يدي الملك (6) ، فكانوا يدعون الله ويقولون : يا رب قد عذبت آباءنا

__________________

(1) دسر : يقال دسرت المسمار أدسره دسرا ، وكل ما سمّر فقد دسر ، والدسر إصلاح السفينة بالدسار ، اسم للمسمار (تاج العروس : دسر).

(2) ذو نواس الحميري كان يهوديا ، وقد ملك اليمن ، وكان أهل نجران على دين عبد الله بن التامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، وقد سار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم وجمعهم ودعاهم إلى اليهودية فخيّرهم بين القتل أو الدخول فيها ، فاختاروا القتل ، فخدّ لهم الأخدود ، فحرّق بالنار وقتل بالسيف ، ومثل بهم كل مثلة ، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا.

راجع أخباره في تاريخ الطبري 1 / 435 436.

(3) كذا في مختصر ابن منظور ، ولم أحله.

(4) كذا.

(5) كذا ورد هنا في مختصر ابن منظور ، وتقدم قريبا : «حرسوس» وكلاهما لم نقف عليه.

(6) سماهم الطبري في تاريخه 1 / 324 دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل.

الصفحة 351 من 397