في ظلّها ، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء ، فقال له : من الرجل الذي في ظلّ السّدرة؟ فقال له : ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فقال : هذا والله نبي ، ما استظلّ تحتها بعد عيسى بن مريم إلّا محمد. ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق ، فلما نبّئ النبي صلىاللهعليهوسلم اتّبعه (1).
حدث أبو داود سليمان بن موسى (2) :
أن أبا طالب عمّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم خرج به إلى الشام ، فلما مروا بقرية يقال لها : ميفعة من أرض البلقاء ، وفيها راهب يقال له : بحيرى ، فخرج إليهم بحيرى ، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت ، فجعل يتخلّلهم (3) حتى انتهى إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : هذا سيّد العالمين ، هذا رسول ربّ العالمين ، هذا الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فقال شيوخ من قدم معه من قريش : وما علمك؟ قال : علمي أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلّا خرّ ساجدا ولا يسجد (4) إلّا لنبي ، وأعرفه بالصّفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه ، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام (5) ، والنبي صلىاللهعليهوسلم في رعيه إبل أصحابه ، فقال : أرسلوا إليه ، فأرسلوا إليه ، فقال بحيرى : انظروا عليه غمامة تظله! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة فيء الشجرة ، فجلس رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومال إليه فيء الشجرة ، فقال : انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه! فبيناهم يأكلون وهو قائم عليهم ؛ إذ هو بفوارس (6) من الروم مقبلين ، فلما رآهم بحيرى استقبلهم ، فقال : ما جاء بكم؟ فقالوا : جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر ، فلم يبق طريق من طرق الروم إلّا وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق. فقال : ما وراءكم أفضل لكم ، قال : أرأيتم أمرا أراد الله أن يمضيه يستطيع أحد ردّه؟
__________________
(1) رواه ابن الأثير في أسد الغابة 1 / 199 عن ابن عباس. وقال ابن الأثير : أخرجه ابن منده وأبو نعيم. ورواه ابن حجر في الإصابة 1 / 210 (ط دار الفكر) والسيوطي في الخصائص 1 / 145 146.
وعقب ابن حجر بقوله : فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب.
(2) رواه البيهقي في دلائل النبوة 2 / 24 بسنده إلى أبي موسى الأشعري. وأبو نعيم في دلائل النبوة ص 170 رقم 109.
(3) تخللهم : دخل بينهم. (تاج العروس : خلل).
(4) كذا ، وفي دلائل البيهقي : يسجدان.
(5) في دلائل البيهقي وأبي نعيم : ثم رجع فصنع لهم طعاما ، فلما أتاهم به.
(6) في دلائل أبي نعيم : فإذا هو بسبعة نفر ، وفي دلائل البيهقي : بتسعة نفر.




