مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 71 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 246 من 397

رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بأنطرسوس (1) ، فلما أن صلى العتمة (2) قام يصلي على الحائط ، فاستفتح ب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فطفت الحائط كله ، ثم رجعت إليه ، فإذا هو لا يجاوز (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ثم رجعت فنمت ليلتي جمعاء ، فلما كان السحر قبل انشقاق الفجر مررت بأحمد بن أبي الحواري ، وهو يقرأ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فلم يزل يرددها من العتمة إلى الصبح (3).

قال عبد الله بن أحمد ابن أبي الحواري :

كنا نسمع بكاء أبي بالليل حتى نقول قد مات ، ثم نسمع ضحكه حتى نقول قد جنّ.

قال الحسن بن حبيب : سمعت أبي يقول :

خرجت مع أحمد بن أبي الحواري إلى رباط بيروت ، فلم تزل الهدايا تجيئه من أول النهار إلى نصف النهار ، ثم أقامني ففرقها إلى أن غابت الشمس ، وقال لي : كن كذا يا حبيب لا تزد على الله ولا تدخر عنه (4) ، فلما كان في الليل خرجت معه إلى سور البلد ، فسمع الحارس يقول : قل لزين الحنان : ردّ السلام ، فصاح وسقط ، وقال : قل لكل قلب يلحق حيث يشاء.

قال أحمد بن أبي الحواري :

دخلت على بعض المتعبدين أعوده ، فقلت : كيف تجدك؟ فقال : بحال شريفة ، أسير كريم في حبس جواد مع أعوان صدق ، والله لو لم يكن مما ترون لي عوض إلّا ما أودع في قلبي (5) من محبته لكنت حقيقا على أن أدوم على الرضى عنه ، وما الدنيا وما غاية البلاء فيها؟ هل هو إلّا ما ترون بي من هذه العلة؟ وأوشك لئن استبد بي الأمر قليلا لترحّلني إلى سيدي ، ولنعمت علة رحلت بمحبّ إلى محبوب قد أضرّ به طول التخلف عنه.

__________________

(1) في معجم البلدان أنطرطوس ، وهي بلدة من سواحل بحر الشام.

(2) يعني صلاة العشاء.

(3) الخبر في سير أعلام النبلاء 10 / 85 (ط دار الفكر). والبداية والنهاية 7 / 365 (ط دار الفكر).

(4) رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 364 (ط دار الفكر) (حوادث سنة 246).

(5) في أصل مختصر ابن منظور : في قلبه.

الصفحة 246 من 397