حالها كذا وكذا ، يعني ، فلقوا راعي بقر ، فقالوا : يا راعي ، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال : لا ، رأيت من بقري شيئا لم أره فيما مضى ، في ليلتي هذه ، رأيتها تسجد نحو هذا الوادي قال : وجاءها المخاض ، والمخاض : الولد (1) ، فساندت إلى النخلة وقالت : (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا)(2) حيضة بعد حيضة ، فنادها جبريل من أقصى الوادي ، (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)(3) والسري : النهر الصغير ، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ، تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا)(4) قالت : لا أدري شاتية أو صائفة ، (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً)(5) فوضعته وقطعت سرته ، ولفّته في خرقة ، فحملته فأقبلوا حيث رأوها ، فأقعدته في حجرها فأعطته ثديها ، فجاءوا فقاموا عليها فقالوا : (يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا)(6) أي عظيما ، فمن أين لك هذا؟ (ما كانَ [أَبُوكِ])(7)(امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ)(8) أن كلموه (قالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) ، والمهد حجرها ، فنزع فمه من ثديها ، وجلس واتكأ على يساره فقال : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا)(9) ، حتى بلغ (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)(10) والأحزاب الناس.
أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل ، وأبو الحسن عبيد الله بن محمّد قالا : أنا أبو بكر البيهقي ، أنا أبو عبد الله الحافظ ، نا أبو أحمد محمّد بن محمّد بن إسحاق الصفار ، نا أحمد بن محمّد بن نصر اللّبّاد ، نا عمرو بن حماد بن طلحة ، نا أسباط بن نصر ، عن السّدّي (11) ، عن أبي مالك ، وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود.
قالوا : خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ، فلما طهرت إذا هي برجل
__________________
(1) كذا بالأصل و «ز». والمخاض : الطلق ، وهو وجع الولادة ، وكل حامل ضربها الطلق فهي ماخض ، ومخضت المرأة : تحرك ولدها في بطنها للولادة (انظر تاج العروس).
(2) سورة مريم ، الآية : 23.
(3) سورة مريم ، الآية : 24.
(4) سورة مريم ، الآية : 25.
(5) سورة مريم ، الآية : 26.
(6) سورة مريم ، الآية : 27.
(7) زيادة عن «ز».
(8) سورة مريم ، الآيتان 28 و 29.
(9) سورة مريم ، الآيتان 30 و 31.
(10) سورة مريم ، الآية : 37.
(11) بالأصل : السيدي ، تصحيف ، والمثبت عن «ز».




