على خرقة على يديها حتى أدخلتها المحراب عليهم وقالت : أقضي ما نذرت لله عليّ ، فلمّا أدخلتها عليهم قالوا : ما هذه؟ قالت : إني كنت عجلت فنذرت ما في بطني محررا لمهنة المحراب ، فوضعتها أنثى ، فجئت لأقضي ما جعلت لله على قالوا : وما شأن المحراب ، وشأن الأنثى؟ قال : فألقى الله في قلوبهم محبة لمريم. فقالوا : ما كنا نقبل الأنثى سوف نقبل هذه. قال : فوضعتها بين أيديهم وخرجت وتشاحّ القوم (1) فيها ، فقال لهم زكريا : أخت هذه الجارية عندي ، وأنا أحق بها أن أكفلها. قالوا وما لك أحقّ بها منا. قال : وكان في المحراب جدول يجري يشربون منه ، ويتوضئون منه ، فلما رأى زكريا إباءهم عليه قال : بيني وبينكم. قالوا : أي شيء؟ قال : أقلامنا التي نكتب بها التوراة ، يجيء كل رجل بقلمه فيلقيه في هذا الجدول فأي قلم منها شق الماء فقد كفّله الله هذه الصبية. قالوا : نعم ، فجاء كلّ رجل منهم بقلمه ، وجاء زكريا بقلمه ، فألقوها في الجدول ، فذهب الماء بأقلامهم ، واستقبل قلم زكريا الماء فجعل يشقه ، فقال لهم زكريا : مه. قالوا : قد كفّله الله هذه الصبية ، قال : فأنبتها الله نباتا حسنا ، قال : فجعل لها في المحراب بيتا لا يدخل عليها فيه إلّا بإذنها ، قال : فكان زكريا يستأذن عليها فتأذن له ، فيدخل عليها يسلم عليها ، فتأتيه بمكتل (2) عندها ، فتضعه بين يديه ، فيجد فيه زكريا عنبا في غير حين العنب ، فيقول : (يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا)(3) ، فتقول : (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) فرغب زكريا في الولد ، فدعا ربه ، فأوحى الله إليه يبشّره بيحيى ، (قالَ : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً] وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) ، فقال (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) ، قال : (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا)(4).
قال أبو الحسن يعني هي آية البشرى. قال : فكان زكريا إذا قام يصلي لربه أطلق له لسانه فيناجيه فإذا خرج إلى أهل المحراب اعتقل لسانه فيشير إليهم أن صلوا كما كنتم تصلون ثلاثة أيام ، فلما بلغت مريم ، فبينا هي في بيتها متفضلة (5) إذ دخل عليها رجل بغير إذن ، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها ، ف (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، قالَ
__________________
(1) تشاح القوم : يقال تشاح الرجلان على الأمر : لا يريدان أن يفوتهما. ويقال تشاحوا في الأمر وعليه : شح بعضهم على بعض وتبادروا إليه حذر فوته. (انظر تاج العروس واللسان).
(2) كذا بالأصل و «ز» ، وفي المختصر لابن منظور : مكيل.
(3) سورة آل عمران ، الآية : 37.
(4) سورة مريم ، الآيات 8 10. وقوله في الآية : آية ، أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر.
(5) تفضلت المرأة في بيتها إذا كانت في ثوب واحد.




