مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 69 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 69 من 302

الهدهد ، فإذا احتاجوا إلى الماء جاء الهدهد فشمّ الأرض ثم نقر بمنقاره ، فيحفر الماء على وجه الأرض ، فبينما سليمان يسير بين المشرق والمغرب في مفازة احتاج الجنود إلى الماء ، وكان الهدهد غائبا ، فشكت الجنود العطش إلى آصف وكان صاحب أمر سليمان فقال : أيها الملك إنّ الجنود قد عطشوا ولا ماء ، فرفع سليمان رأسه فنظر إلى الطير ففقد الهدهد فقال : (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ)(1) فقالت الطير : هو من الغائبين ، فغضب سليمان فقال : بعد عني وأنا في المفازة معي الجنود (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)(2) قال : عذر مبين ، فلما سمع الطير ذلك استقبلوا الهدهد فقالوا : ويلك أين كنت (3)؟ قد غضب عليك وحلف ليعذّبنّك أو ليذبحنّك أو لتأتينّه بعذر مبين يخرجك من ذنبك (4) ، فلما سمع الهدهد ذلك أدبر راجعا ، فارتفع حتى أشرف على الجبال والبحور ، فبينا هو كذلك إذ أشرف على جبل سبأ ، ونظر إلى بلقيس ملكتهم وهي جالسة على عرشها ، وبين يديها ألف رجل متقلّدون السيوف ، قيام ، كلّ رجل منهم ملك على قومه ؛ فلما رأى الهدهد ذلك قال : هذا حجتي التي أرجع بها إلى سليمان ، فرجع فوقع بين يدي سليمان فسجد فقال سليمان : ما لك؟ وأين غبت؟ فقال : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)(5) قال : وما نبؤك؟ قال : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) إلى (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ)(6) فدعا سليمان برقّ فكتب فيه بيده وطواه وختمه بخاتمه ، ولم يكتب فيه عنوانا ثم قال (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) إلى (فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ)(7) فانطلق الهدهد بالكتاب حتى ألقاه في حجر بلقيس.

وفي رواية :

فجاء الهدهد وقد غلّقت الأبواب ، وكانت تغلق أبوابها وتضع مفاتحها تحت رأسها ،

__________________

(1) سورة النمل الآية : 20. أراد ماله مفقود من هاهنا ، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي.

(2) سورة النمل ، الآية : 21.

(3) كان الهدهد قد مرّ على قصر بلقيس ، فرأى بستانا خلف قصرها ، فمال إلى الخضرة. كما في الكامل لابن الأثير 1 / 161.

(4) قيل إن عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يطير أبدا فيصير من هوام الأرض ، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدا.

(5) سورة النمل ، الآية : 22. وقوله بنبإ يقين : يعني بخبر صادق.

(6) سورة النمل ، الآيتان 23 و 24.

(7) سورة النمل ، الآيتان 27 و 28.

الصفحة 69 من 302