مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 68 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 205 من 284

هشام : إنّه ليبلغني من ذلك العجب ، فقال بعض جلسائه أنا أحدثكم عما بلغني من ذلك ، بلغني أن رجلا من بني يشكر يقال له غسان بن (1) جهضم بن العذافر ، كانت تحته ابنة عمّ له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر ، وكان لها محبّا ، وكانت له كذلك ، فلمّا حضره الموت ، وظنّ أنه مفارق الدنيا قال ثلاثة أبيات ، ثم قال لها : يا أم عقبة ، اسمعي ما أقول ، وأجيبيني بحقّ ، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك بعد ما تواريني التراب ، فقالت : قل ، فو الله لا أجيبك بكذب ولأجعلنّه آخر حظك مني ، فقال وهو يبكي بكاء يكاد يمنعه الكلام :

أخبريني ما ذا تريدين بعدي  

 

والذي تضمرين يا أم عقبه  

تحفظيني من بعد موتي لما قد  

 

كان مني من حسن خلق وصحبه  

أم تريدين ذات جمال ومال  

 

وأنا في التراب في سجن غربه  

فأجابته ببكاء وانتحاب :

قد سمعنا الذي تقول وما قد  

 

خفته يا غسان من أم عقبه  

أنا من أحفظ النساء وأرعاه  

 

لما قد أوليت من حسن صحبه  

سوف أبكيك ما حييت بشجوّ  

 

ومراثي أقولها وبندبه  

قال : فلما قالت ذلك ، طابت نفسه ، وفي النفس ما فيها فقال :

أنا والله واثق بك لكن  

 

ربما خفت منك غدر النساء  

بعد موت الأزواج يا خير من عو  

 

شر فارعي حقي بحسن الوفاء  

إنني قد رجوت أن تحفظي العه  

 

د فكوني إن مت عند الرجاء  

ثم اعتقل لسانه ، فلم ينطق حتى مات ، فلم تلبث بعده إلّا قليلا حتى خطبت من كل جانب ، ورغب فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها ، من العقل والجمال والعفاف والحسب ، فقالت مجيبة لهم :

سأحفظ غسانا على بعد داره  

 

وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر  

وإني لفي شغل عن الناس كلهم  

 

فكفوا ، فما مثلي بمن مات يغدر  

سأبكي عليه ما حييت بعبرة  

 

تجول على الخدين مني فتكثر  

فأيس الناس من إجابتها ، فلما مرت بها الأيام نسيت عهده ، وقالت : من مات فقد

__________________

(1) بالأصل : من.

الصفحة 205 من 284