مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 66 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 193 من 370

وفي رواية : كنت جالسا في حلقة بمسجد المدينة ، فأقبل رجل لا تراه حلقة إلّا فروا حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها ، ففروا ، وثبتّ ، فقلت : من أنت؟ فقال : أنا أبو ذرّ صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قلت : فما يفرّ الناس منك؟ قال : إنّي أنهاهم عن الكنوز ، قلت : فإن أعطيتنا قد بلغت وارتفعت ، أفتخاف علينا منها؟ قال : أمّا اليوم فلا ، ولكن يوشك أن يكون أثمان دينكم ، فإذا كان أثمان دينكم فدعوهم وإياها.

وقال (1) : قدمت المدينة ، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش ، إذ جاء رجل أخشن الثياب ، أخشن الجسد ، أخشن الوجه ، فقام عليهم ، فقال : بشّر الكنّازين برضف (2) يحمى عليهم في نار جهنم ، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم ، حتى يخرج من نغض (3) كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل.

قال : فوضع القوم رءوسهم ، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه (4) شيئا ، فأدبر ، فتبعته حتى جلس إلى سارية ، فقلت : ما رأيت هؤلاء إلّا كرهوا ما قلت لهم ، فقال : إنّ هؤلاء لا يعقلون شيئا ، إنّ خليلي أبا القاسم دعاني فقال : «يا أبا ذر» ، فأجبته ، فقال : «ترى أحدا» ، فنظرت ما عليّ من الشمس ، وأنا أظنه يبعث بي في حاجة له ، فقلت : أراه ، فقال : «ما يسرّني أنّ لي مثله ذهبا أنفقه كلّه إلّا ثلاثة دنانير» ، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا ، لا يعقلون شيئا! فقلت : ما لك ولإخوانك قريش ، لا تعتريهم ، وتصيب منهم؟ قال : لا وربّك ما أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله [13364].

قال مالك بن أوس بن الحدثان (5) :

قدم أبو ذرّ من الشام ، فدخل المسجد وأنا جالس ، فسلّم علينا ، وأتى سارية ، فصلّى ركعتين تجوّز فيهما ، ثم قرأ : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) حتى ختمها ، واجتمع الناس عليه ، فقالوا له : يا أبا ذرّ ، حدّثنا ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لهم : سمعت حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «في الإبل صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البرّ صدقته ، من (6) جمع دينارا أو

__________________

(1) يعني الأحنف بن قيس ، والخبر من طريقه في سير أعلام النبلاء (3 / 390) ط دار الفكر.

(2) الرضف الواحدة رضفة ، وهي الحجارة المحماة.

(3) النغض : العظم الرقيق الذي على طرف الكتف.

(4) في مختصر أبي شامة : «إلى» والمثبت عن سير الأعلام.

(5) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (3 / 391) ط دار الفكر.

(6) في مختصر أبي شامة : «في» والمثبت عن سير الأعلام.

الصفحة 193 من 370