مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 66 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 177 من 370

فأشار إليّ ، فقال : هذا الصابئ ، فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب (1) أحمر ، فأتيت زمزم ، فغسلت عني الدماء ، وشربت من مائها ، ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ، ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة (2) جوع.

قال : فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (3) إذ ضرب الله على أسمختهم (4) ، فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين ، فأتتا عليّ وهما يدعوان إسافا ونائلة ، فقلت : هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان ، وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا! فاستقبلهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وهما هابطان (5) ، قال : «ما لكما»؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها ، قال : «ما قال لكما»؟ قالتا : إنّه قال لنا كلمة تملأ الفم (6). وجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتّى استلم الحجر ، وطاف بالبيت هو وصاحبه ، ثم صلّى ، فلما قضى صلاته كنت أوّل من حيّاه بتحية الإسلام ، فقال : «وعليك ورحمة الله ، ممن أنت»؟ قلت : من غفار ، فأهوى بيده ، فوضع أصابعه على جبهته ، فقلت في نفسي : كره أن انتميت إلى غفار ، فذهبت آخذ بيده ، فقدعني (7) صاحبه ، وكان أعلم به مني ، فرفع رأسه ثم قال : «متى كنت هاهنا»؟ قلت : منذ ثلاثين بين ليلة ويوم ، قال : «فمن كان يطعمك؟» قلت : ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني ، فما وجدت على كبدي سخفة جوع. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنها مباركة ، إنها طعام طعم» (8).

فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ائذن لي في إطعامه الليلة ، فانطلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبو بكر ، وانطلقت معهما ، ففتح أبو بكر بابا ، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف ، فكان ذلك أوّل طعام أكلته بها ، ثم غبرت ما غبرت (9) ، ثم أتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : «إنه قد وجهت لي

__________________

(1) النصب : الحجر أو الصنم ، وقد كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه ، فيحمر بالدم ، أراد أنهم ضربوه حتى أدموه.

(2) سخفة الجوع : رقته وضعفه وهزاله.

(3) ليلة إضحيان أي مضيئة ومنورة.

(4) أسمختهم جمع سماخ وهو الخرق الذي في الأذن ويفضي إلى الرأس ، والمراد هنا : آذانهم.

(5) في مختصر ابن منظور وسير الأعلام : هابطتان.

(6) أي كلمة كبيرة عظيمة لا شيء أقبح منها.

(7) قدعني صاحبه : أي كفني ومنعني.

(8) طعام طعم : أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.

(9) أي بقيت ما بقيت.

الصفحة 177 من 370