مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 66 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 163 من 370

حول الكوخ من هذا البردي (1) الجافي ، فيخصب في الشتاء ، فأقلعه ، فما كان منه في التراب يخرج غضا أبيض ، فآكله ، وأرمي بالأخضر الجافي. فكان هذا قوتي إلى أن نوديت (2) في سري : يا أبا الخير ، تزعم أنك لا تزاحم الخلق في أقواتهم ، وتشير إلى التوكل ، وأنت في وسط المعلوم جالس؟ فقلت : إلهي وسيدي ومولاي ، وعزّتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبت الأرض حتى تكون أنت الموصلي إليّ رزقي من حيث لا أكون أنا أتولى فيه. فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض وأتنفّل (3) ، ثم عجزت عن النافلة ، فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير ، ثم عجزت عن القيام ، فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا ، ثم عجزت عن الجلوس ، فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي. فلجأت إلى الله بسري ، وقلت : إلهي وسيدي ومولاي افترضت علي فرضا تسألني عنه ، وضمنت لي رزقا فتفضل علي برزقي ، ولا تؤاخذني بما اعتقدته معك ، فوعزتك لأجتهدن ألا (4) أخالف عقدي الذي عقدته معك. فإذا بين يدي رغيفان وربما قال : قرصان بينهما شيء ولم يذكر الشيء فكنت آخذه على دوار وقتي من الليل إلى الليل. ثم طولبت بالمسير إلى الثغر ، فسرت حتى دخلت مصر ، وكان ذلك يوم جمعة ، فوجدت في صحن الجامع قاصّا يقصّ على الناس ، وحوله حلقة ، فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا والمنشار وما كان من خطاب الله له حين هرب منهم ، فنادته الشجرة : إليّ يا زكريا ، فانفرجت له ، فدخلها ، ثم أطبقت عليه ، ولحقه العدو ، فتعلّق بطرف عبائه ، وناداهم : إليّ ، فهذا زكريا! ثم أخرج لهم حيلة المنشار ، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا ، فأنّ منه أنّة ، أوحى الله تعالى : يا زكريا ، لئن صعدت منك إليّ أنّة ثانية لأمحونّك من ديوان النبوة. فعضّ زكريا على الصّير (5) حتى قطع بشطرين ، فقلت في نفسي : لقد كان زكريا صابرا ، إلهي وسيدي ومولاي لئن ابتليتني لأصبرنّ. ثم سرت حتى دخلت أنطاكية ، فرآني بعض إخواني ، وعلم أني أريد الثغر فدفع إليّ سيفا وترسا وحربة للسبيل ، فدخلت الثغر ، وكنت حينئذ أحتشم من الله أن أرى وراء سور خيفة العدوّ ، فجعلت مقامي بالنهار في غابة أكون فيها ، وأخرج بالليل إلى شط البحر ، فأغرز الحربة على

__________________

(1) البردي بالفتح نبات معروف واحدته بردية. (تاج العروس).

(2) في مختصر أبي شامة : توفرت ، تصحيف ، وأثبتنا ما جاء في مختصر ابن منظور.

(3) تنفل فلان : صلى النوافل ، والنافلة : ما تفعله مما لم يجب عليك ، ومنه نافلة الصلاة (تاج العروس : نفل).

(4) في مختصر أبي شامة : أن لا أخالف.

(5) الصير : الشقّ.

الصفحة 163 من 370