مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 63 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 381 من 428

أقسم بالله ما كانت الملائكة ليقدروا على ذلك ولا ليفعلوا حتى أمروا به ، لأن الله قال : (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(1) وإنه أثبت هذه الآية في سورة (حم عسق) وفسّرت في (حم)(2) الكبرى ، قال : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)(3) الآيات ، ألا ترى يا ذا خولان أنّي قد أدركت صدر الإسلام؟ فو الله ما كانت للخوارج جماعة قط إلّا فرّقها الله على شرّ حالاتهم ، وما أظهر أحد منهم رأيه قط إلّا ضرب الله عنقه ، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج ، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض ، وقطعت السبل ، وقطع الحج من بيت الله الحرام ، وإذا لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستغيثون (4) برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية ، وإذا لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلّا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ، ودينه ، ودمه ، وأهله ، وماله ، لا يدري أين يسلك ، أو مع من يكون ، غير أنّ الله بحكمه ، وعلمه ، ورحمته نظر لهذه الأمة ، فأحسن النظر لهم ، فجمعهم وألّف بين قلوبهم على رجل واحد ، ليس من الخوارج ، فحقن الله به دماءهم ، وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم ، وجمع به فرقتهم ، وأمن به سبلهم (5) ، وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوّهم ، وأقام به حدودهم ، وأنصف به مظلومهم ، وجاهد بظالمهم رحمة من الله رحمهم بها ، فقال الله تعالى في كتابه : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) إلى (الْعالَمِينَ)(6) وقال : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً) حتى بلغ (تَهْتَدُونَ)(7) وقال الله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى (الْأَشْهادُ)(8) فأين هم من هذه الآية؟ فلو كانوا مؤمنين نصروا ، وقال : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ) إلى (لَهُمُ الْغالِبُونَ)(9) فلو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام ، وقال الله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ) حتى بلغ (نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(10) فلو كانوا مؤمنين نصروا ،

__________________

(1) سورة الأنبياء ، الآية : 27.

(2) سورة غافر ، الآية : 1.

(3) سورة غافر ، الآية : 7.

(4) كذا بالأصل وم ، وفي تهذيب الكمال : يستعينون.

(5) تحرفت بالأصل وم إلى : سلبهم ، والمثبت عن تهذيب الكمال.

(6) سورة البقرة ، الآية : 251.

(7) سورة آل عمران ، الآية : 103.

(8) سورة غافر ، الآية : 51.

(9) سورة الصافات الآيات 171 إلى 173.

(10) سورة الروم ، الآية : 47.

الصفحة 381 من 428