مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 63 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 16 من 428

فقال له جبريل وأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك ، فرأى فيه ماء يقال من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت ، فقال له جبريل : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) ، لا تخف يا محمّد ، فإنك رسول الله ، ثم انصرف وأقبل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم همّه فقال : كيف أصنع؟ وكيف أقول لقومي؟ ثم قام وهو خائف ، فأتاه جبريل من أمامه في صورة نفسه ، فأبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل : لا تخف يا محمّد ، جبريل ، جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله ، فأيقن بكرامة الله ، فإنك رسول الله ، ثم انصرف جبريل وأقبل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم راجعا ، فجعل لا يمر على حجر ولا شجر إلّا وهو ساجد له يقول : السلام عليك يا رسول الله ، فاطمأنت نفسه ، وعرف كرامة الله إياه ، وعجب لقول الشجر والأحجار وسجوده له ، فلما انتهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغيير (1) لونه ، فأفزعها ذلك ، فقامت إليه ، فلمّا دنت منه ، أبصرت كسوف وجهه ، فحسبته عيانا ، فجعلت تمسح عن وجهه وتقول : يا ابن عبد الله ، لقد أصابك اليوم أمر أفزعك ، يا ابن عبد الله لعله كبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم ، وكان نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد سمع الصوت مرارا ، وأبصر الضوء ، وسمع البشرى ، فإذا سمع بذلك بأرض الفلاة أقبل مذعورا فقصّ ذلك على خديجة ، فلمّا أن رأت خديجة أنه لا يحير (2) إليها شيئا أشفقت ، فقالت : يا ابن عبد الله ، ما لك لا تكلّم؟ قال : يا خديجة ، أرأيت الذي كنت أخبرتك أنّي أرى في المنام ، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة والصوت الذي كنا أهال منه ، فإنه جبريل قد استعلن لي ، وكلّمني ، وأقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إليّ فبشّرني وأخبرني أنّي نبي هذه الأمة ، فأقبلت راجعا ، فمررت على شجر وحجارة وهنّ يسجدن لي ، فقلن : السلام عليك يا رسول الله ، فقالت خديجة : أبشر ، فو الله لقد كنت أعلم أنّ الله لن يفعل بك إلّا خيرا ، وأشهد أنّك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود ، قد أخبرني به قبل أن أتزوجك ناصح غلامي وبحيرا الراهب ، وأمرني (3) أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة ، فلم تزل عن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى طعم وضحك (4) ، ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة ، فلما دنت منه وعرفها قال لها : ما لك يا سيدة نساء قريش؟ وكذلك كانت تسمّى ، فقالت : أقبلت

__________________

(1) كذا بالأصل وم و «ز» : تغيير لونه ، وفي البداية والنهاية : تغير لونه.

(2) في «ز» : يخبر ، وقوله : لا يحير يعني لا يرجع ولا يرد ولا يجيب.

(3) في «ز» : وأمراني.

(4) في البداية والنهاية : فلم تزل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى طعم وشرب وضحك.

الصفحة 16 من 428