مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 62 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 242 من 442

فذلك ألف سنة وثلاثمائة سنة ، وتسعون سنة منذ ولد إلى أن أغرق الله الدنيا ، وعاش بعد ذلك تسعين سنة لتمام ألف وأربعمائة وستة وثمانين سنة ، فكان موته في الألف الثالث بعد أربعمائة وستة وأربعين سنة من الألف الثالث ، فكان نوح بينه وبين آدم عشرة قرون ، وعشرة آباء ، فكان نوح بن لمك بن متوشلخ (1) بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، فبعثه الله رسولا وهو أول رسول بعث الله ، فذلك قول الله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً)(2) ، وكان قد فشت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوّا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرّا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيدا (3) ، ويضرب في المجالس ويطرد ، وكان لا يدع على ما يصنع به أن يدعوهم ويقول : يا رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، فكان لا يزيدهم بذلك إلّا فرارا منه ، حتى إنه ليكلّم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصابعه في أذنيه لكي لا يسمع شيئا من كلامه ، فذلك قول الله : (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ)(4) يقول : نغصوا ، ثم قاموا من المجلس فأسرعوا المشي ، وقالوا امضوا فإنه كذاب ، قال : فاشتد عليه البلاء ، وكان ينتظر القرن بعد القرن ، والجيل بعد الجيل (5) ، فلا يأتي قرن إلّا وهو أخبث من الأول ، وأعتى (6) من الأول ، ويقول الرجل منهم : قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا قبل آبائنا فلم يزل هكذا مختونا (7) ، وكان الرجل منهم إذا أوصى عند الوفاة يقول لأولاده : احذروا هذا المجنون ، فإنه قد حدّثني آبائي إلى هلاك الناس على يدي هذا ، فكانوا كذلك يتوارثون الوصية بينهم حتى إذا كان الرجل ليحمل ولده على عاتقه ثم يقف به عليه فيقول : يا بني إن عشت ومت أنا فاحذر هذا الشيخ ، فإنه مجنون ، ويكون هلاك الناس على يدي هذا.

قال : فلما أن طال ذلك بهم وبه قالوا : يا نوح ما نراك جئنا بشيء نعرفه ، فما كثرة دعائك [إلّا](8) بالذي يزيدنا منك بعدا وفرارا منك ، وما أنت إلّا مجنون أو مسحور ، فلما (9)

__________________

(1) الأصل وم و «ز» : متوشلح ، والمثبت عن الطبري.

(2) سورة العنكبوت ، الآية : 15.

(3) كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي المختصر : قعيدا. والوقيذ : الشديد المرض ، المشرف (القاموس).

(4) سورة نوح ، الآية : 8.

(5) الأصل وم ، وفي «ز» : والحمل بعد الحمل.

(6) كذا بالأصل وم ، وفي «ز» : وأعمى.

(7) كذا بالأصل و «ز» ، وإعجامها مضطرب في م ، وقد تقرأ : «مجنونا» وفي المختصر : مجنونا.

(8) زيادة اقتضاها السياق.

(9) من قوله ... هذا إلى ... هنا سقط من «ز».

الصفحة 242 من 442