مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 62 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 23 من 442

عمر ، ما كان أنظره بنور الله في ذات الله ، وأفرسه ، كان والله كما قال الشاعر :

بصير بأعقاب الأمور (1) برأيه  

 

كأنّ له في اليوم عينا على غد  

وكما قال الآخر :

تريده الإمام إن شاء عفت  

 

شدّة حوم بتصاريفها  

وفي مثله :

كأنها في حال إسعافها  

 

تسمعه صحة تخويفها  

وفي مثله :

ترى عزمات الرأي حتى كأنما  

 

تلاحظه في كلّ أمر عواقبه  

وذلك أن نصر بن حجّاج لما نفاه عمر إلى البصرة كان يدخل على مجاشع بن مسعود السّلمي ، وكان به معجبا ، وكانت لمشاجع امرأة يقول لها الخضيراء ، وكانت من أجمل النساء ، وكان لا يصبر عنها ، وهو يومئذ أمير على البصرة ، وكان لشغفه بها يجمعها في مجلسه ، فجاءت من مشاجع التفاتة ونصر بن حجّاج يخطّ في الأرض خطوطا ، فقالت الخضيراء : وأنا ، فعلم مجاشع أنه جواب كلام ، وكان مجاشع لا يقرأ ، وكانت الخضيراء تقرأ ، وانصرف نصر إلى منزله ، ودعا مشاجع كاتبا فقرأه فإذا هو : إنّي لأحبك حبّا لو كان فوقك لأظلّك ، ولو كان تحتك لأقلّك ، وبلغ نصرا ما كان [من](2) فعل مجاشع بن مسعود ، فاستحيا لذلك ، واشتد وجده ، وظهر دنفه ، وعظمت بليته ، وجلت رزيته ، والتحف عليه الأطباء ، وامتنع من الغذاء حتى شارف الفناء.

كذلك حدّثناه العباس بن عبد الله الترقفي ، نا محمّد بن كثير المصّيصي ، عن مخلد بن الحسين (3) ، عن هشام بن حسان ، عن محمّد بن سيرين ، عن عمر بن الخطّاب وما كان من قصة نصر بن حجّاج وأنا ذاكر الحديث بطوله ، وذكر ما آلت إليه حال نصر بن حجّاج في موضعه إن شاء الله تعالى ، ألا ترى إلى فراسة عمر ما أوضحها ، وإلى ظنّه ما أصدقه ، وإلى قبيح ما ارتكبه نصر ما أفظعه.

أنبأنا أبو الفضل محمّد بن ناصر ، وأبو منصور موهوب بن أحمد بن محمّد ، قالا :

__________________

(1) الأصل وم : الأمر ، والمثبت عن «ز».

(2) سقطت من الأصل وم ، واستدركت عن «ز».

(3) كذا بالأصل وم و «ز» : مجالد بن الحسين ، وفي «ز» هنا : مخلد. وهو ما أثبتناه ، راجع ترجمته في تهذيب الكمال 17 / 490 طبعة دار الفكر.

الصفحة 23 من 442