مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 61 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 44 من 468

فرائصه ، وانكسر قلبه ولسانه ، وطاش عقله ، ولم يبق منه عظم يحمل آخر ، وصار بمنزلة الميت إلّا أنّ روح الحياة تجري فيه ، فبعث الله إليه ملكا كأحسن شيء خلقه الله ، فشدّ له عضده وظهره ، ورجّاه وبشّره ، فرجف وهو مرعوب ، فلما انتهى إلى الشجرة قال له : (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ)(1) ، فخلعهما ، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت ، فطير يعني غير مدبوغ ، قال : فخلعهما ، ثم قال : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ : هِيَ عَصايَ) ، قال : ما تصنع بها؟ ولا أحد أعلم بذلك منه جل وعزّ ، قال : (أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى)(2) ، قال : قد علمتها ، وكانت مآرب موسى أنها كانت عصا لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين ، وزج في طرفها ، فكان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه ، وإذا طالت شجرة حناها بالمحجن ، وإذا أراد أن يقوّس شجرة تطوّل لها لواها بالشعبتين ، وكان إذا مشى (3) ألقاها على عاتقه ، فيعلّق بها قوسه وكنانته ومرجمته (4) وحلابه (5) وإداوته ، وزادا إن كان معه ، وإذا ارتعى في البرية التي ليس فيها ظل ركزها في الأرض ثم أعرض زنده بين شعبتيها ثم ألقى عليها كساءه ، فاستظلّ ما كان مرتاعا ، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل الرشاء بالمحجن ، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه ، فكانت هذه من مآربه التي أراد أن يقص ، ولكن منعه من ذلك الخوف ، فأجمع القصة بقوله (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ، قالَ : أَلْقِها يا مُوسى) ، فظنّ موسى أنه يقول : ارفضها ولا تقبض بها ، (فَأَلْقاها) موسى على وجه الرفض ، ثم حانت منه نظرة ، فإذا هو بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون ، في مثل بدن البختي العظيم ، إلّا أنه أطول منه ، مسرعة تدبّ على قوائم قصار غلاظ شداد ، قد جعلت الشعبتان له فم (6) مثل القليب الواسع ، فيها أضراس وأنياب ، وقد جعل المحجن له عرفا نابتا له شعر مثل شعر البازل ، قد جعل له عينان يتوقدان نارا ، وجعل يدبّ كأنه يبتغي شيئا ليأخذه ، إلّا أنه ليمر بالشجرة العظيمة فيطعن بناب من أنيابه في أصلها ، فيجدّ لها ثم يبتلعها ويمرّ بالصخرة العظيمة مثل الحلقة فيبتلعها حتى إنّه ليسمع تقعقع الصخرة في جوفها ، فلمّا عاين ذلك موسى (وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ)(7) ، فذهب على وجهه حتى أمعن ، وظنّ أنه قد أعجز الحيّة ، ثم ذكر أنه

__________________

(1) سورة طه ، الآية : 12 وفي التنزيل العزيز : فاخلع نعليك.

(2) سورة طه ، الآيتان 17 و18.

(3) في «ز» : إذا شاء.

(4) المرجمة : القذافة.

(5) الحلاب : بالكسر الإناء يحلب فيه اللبن (تاج العروس : حلب).

(6) كذا بالأصل ود ، و «ز» : «فم» والوجه : فما.

(7) سورة القصص ، الآية : 31.

الصفحة 44 من 468