مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 52 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 408 من 454

بخروجي ، فارتحلت من القادسية مع جماعة من الفقراء الفقهاء ، ونفذ ما كان معنا ، وأشرفنا على التلف ، فوصلنا إلى حيّ من أحياء العرب ، ولم نجد شيئا ، واضطررنا إلى أن اشترينا منهم كلبا بدنانير وشووه وأعطوني قطعة من لحمه ، فلمّا أردت أكله فكّرت في حالي ، فوقع لي أنه عقوبة خجل ذلك الفقير ، فتبت في نفسي ، وسكتّ ، ودلّونا على الطريق ، فمضيت ، وحججت ، ثم رجعت معتذرا إلى الفقير.

أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن الحسن ، أنبأنا أبو سعد علي بن عبد الله ، أنبأنا أبو عبد الله بن باكوية قال : سمعت أبا أحمد الصغير قال : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول : خرجت في سفرتي الأولى واحتملت في المركب ولي ست عشرة (1) سنة ، ورجعت سريعا لأجل والدتي واشتغلت بالرياضات والمجاهدات ، وكنت آوي إلى مسجد سليمان ، وإلى كهف بالقرب منه ، فدخلت يوما من الأيام إلى المدينة وقد أثرت (2) عليّ الفاقة فاستقبلني فقير من أصحابنا ، وحلّفني أن أدخل إلى منزله ، فقدّم إليّ لحما قد طبخ بالكشك (3) ، وكان اللحم متغير الرائحة ، فكنت آكل الثريد وأترك اللحم ولا أظهر له أنّ اللحم متغيّر كي لا يحتشم ، فلقمني لقمة لحم ، وتحمّلت بلعها ، ولقمني ثانية فظهر في وجهي الكراهة ، فخجل الفقير ، واغتممت أنا لخجله وانزعجت انزعاجا عظيما ، فبعثت إلى والدتي وقلت : إن أردت أن تودّعيني فالحقيني بباب الدرب واحملي معك مرقعتي ، فجاءت ومعها المرقعة فلبستها وودّعتها ، فما عارضتني ، وتعجبت من سكوتها بعد ما عرفت من إشفاقها عليّ ، ومشيت ولم أدخل بغداد من شدة انزعاجي ، ودخلت الكوفة ولم أقم بها ، وخرجت إلى القادسية ، فرأيت جماعة من أهل خراسان فتعلّقوا بي وقالوا : نمشي معك ، وأنا متحير ، أنظر سبب ما أزعجني ، فتهنا في الطريق ، وما زلنا تائهين حتى نفذ زاد القوم ، وأشرفوا على التلف ، فرجعنا إلى حلة من العرب ، وقد بلغ الجوع للتلف (4) ، فطلبوا الطعام ، فلم يقدروا عليه ، وبلغ بهم الجهد إلى أن اشتروا كلبا بدنانير وذبحوه وشووه ، وأعطوني من لحمه قطعة ، فلمّا أردت أن آكله علمت أنه عقوبة ذلك الفقير ، ثم دلّونا على الطريق ، فذهبت ، وحججت ، ورجعت إلى عند والدتي ، واعتذرت إلى الفقير وقصصت عليه القصة ، فتعجبوا منه.

__________________

(1) بالأصل ود ، و «ز» : ستة عشر سنة.

(2) الأصل ود : «أثر» والمثبت عن «ز».

(3) في «ز» : بالكسكس.

(4) كذا بالأصل ود ، وفي «ز» : وقد بلغ بنا الجوع إلى حد التلف.

الصفحة 408 من 454