أخبرنا أبو المعالي الفارسي ، أنبأنا أبو بكر البيهقي قال : هكذا أخبرنا به في كتاب المناقب وقرأته بخطه بعد وفاته في أجزاء كتبها للمذاكرة والحفظ ، سمعت الشيخ أبا الوليد (1) يقول (2) : كنا في مجلس القاضي أبي العباس بن سريج سنة ثلاث وثلاثمائة فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال : أبشر أيها القاضي ، فإنّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها (3) أمر دينها ، وإنّه تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز وتوفي سنة ثلاث ومائة ، وبعث على رأس المائتين أبا عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعي ، وتوفي سنة أربع ومائتين ، وبعثك على رأس الثلاثمائة ثم أنشأ يقول :
اثنان قد مضيا فبورك فيهما |
| عمر الخليفة ثم حلف السّؤدد |
الشافعي الألمعي (4) محمّد |
| إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد |
أبشر أبا العباس إنّك ثالث |
| من بعدهم سقيا لتربة أحمد |
قال : فصاح أبو العباس وبكى ، وقال : قد نعى إليّ نفسي ، قال الشيخ أبو الوليد : فمات القاضي أبو العباس في تلك السنة ، قال الحاكم أبو عبد الله (5) : فلما رويت أنا هذه الحكاية كتبوها وكان ممن كتبها شيخ أديب فقيه ، فلمّا كان المجلس الثاني قال لي بعض الحاضرين : إنّ هذا الشيخ قد زاد في تلك الأبيات ذكر الشيخ أبي الطيب سهل بن محمّد (6) وجعله على رأس الأربع مائة ، فسألت ذلك الفقيه عنه فأنشدني قوله في قصيدة مدحه بها :
والرابع المشهور سهل بن محمّد |
| أضحى إماما عند كلّ موحّد |
يأوي إليه المسلمون بأسرهم |
| في العلم إن جاءوا بخطب موبد |
لا زال فيما بيننا شيخ الورى |
| للمذهب المختار خير مجدّد |
قال الحاكم : فسكتّ ولم أنطق ، وغمّني ذلك إلى أن قدّر الله وفاته رحمهالله في تلك السنة.
__________________
(1) هو حسان بن محمّد بن أحمد بن هارون ، أبو الوليد الفقيه النيسابوري شيخ خراسان ، ترجمته في سير أعلام النبلاء 5 1 / 492.
(2) من هذا الطريق الخبر والشعر في سير أعلام النبلاء 14 / 202 203 في ترجمة أبي العباس ابن سريج ، والمستدرك للحاكم 4 / 522 وتاريخ بغداد 4 / 289 وتذكرة الحفاظ 3 / 812.
(3) يعني للامة ، كما في سير الأعلام.
(4) في المستدرك : الأبطحي.
(5) راجع المستدرك للحاكم 4 / 522 523.
(6) هو شيخ الشافعية بخراسان ، أبو الطيب سهل بن محمّد بن سليمان بن محمّد العجلي الصعلوكي النيسابوري ، ترجمته في سير أعلام النبلاء 17 / 207.




