مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 51 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 334 من 445

للتاريخ (1) ، وكان يعينه على ذلك شيئان : وفور عقل وصحّة دين ، وكان ملاك أمره (2) إخلاص العمل لله.

أخبرنا أبو محمّد بن طاوس ، حدّثنا سليمان بن إبراهيم بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي ، حدّثني محمّد بن محمّد الجرجاني ، أنبأنا أبو علي قتيبة بن عبد العزيز اليماني قال : سمعت عبد الله بن محمّد البلوي بمكة يقول :

جلسنا ذات يوم نتذاكر الزهّاد والعبّاد والعلماء ، وما بلغ من فصاحتهم وزهدهم وعلمهم. فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن بنانة فقال : فيم تتحاورون؟ فقلنا : نتذاكر الزهّاد ، والعبّاد وفصاحتهم ، فقال عمر : والله ما رأيت رجلا قط أورع ، ولا أخشع ، ولا أفصح ، ولا أصبح ، ولا أسمح ، ولا أعلم ، ولا أكرم ، ولا أجمل ، ولا أنبل ، ولا أفضل من محمّد بن إدريس الشّافعي رحمة الله عليه خرجت أنا وهو ، والحارث بن لبيد إلى الصفا ، وكان الحارث بن لبيد قد صحب صالحا المرّي ، وكان من الخاشعين المتقين الزاهدين ، وكان حسن الصوت بالقرآن ، فقرأ بسم الله الرّحمن الرحيم ، (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(3) قال : فرأيت الشّافعي قد اضطرب وتغيّر لونه ، وبكا بكاء شديدا حتى لصق بالأرض ، قال : فأبكاني والله قلقه وشدة خوفه لله عزوجل ، ثم لم يتمالك أن قال : إلهي أعوذ بك من مقام الكذابين ، وأعلام الغافلين ، إلهي خشعت لك قلوب العارفين ، وولهت بك همم المشتاقين ، فهب لي جودك ، وجلّلني سترك ، واعف عني بكرم وجهك ، يا كريم ، قال : ثم قمنا وتفرّقنا.

أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمّد ، أنبأنا أبو البركات بن طاوس ، أنبأنا أبو القاسم الأزهري ، أنبأنا أبو علي بن حمكان ، حدّثنا محمّد بن الحسن النقاش ، حدّثنا محمّد بن هارون بطبرستان حدّثنا أبو حاتم ، عن الأصمعي قال : ما هبت عالما قط ما هبت مالكا حتى لحن ، فذهبت هيبته من قلبي ، وذلك أنّني سمعته يقول : مطرنا مطرا ، وأي مطرا ، فقلت له في ذلك ، فقال : كيف لو قد رأيت ربيعة بن أبي عبد الرّحمن كنا إذا قلنا له كيف أصبحت يقول : بخيرا بخيرا ، وإذا مالك قد جعل لنفسه قدوة يقتدي به في اللحن ، ثم رأيت محمّد بن

__________________

(1) بالأصل وم ود : لتاريخ.

(2) ملاك أمره : الملاك بالكسر والفتح : قوام الشيء ، وما يعتمد عليه فيه.

(3) سورة المرسلات ، الآيات 38 إلى 40.

الصفحة 334 من 445