مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 50 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 61 من 382

المحارم ، ولا يشار إليك بالمكارم ، ولا تستشار في القوم ولا يرجى لدفع اليوم ، والله لو لا مكان أمير المؤمنين وحقّه لاستوعرت مركبك ، [ولاستطلت موكبك](1) ولأوردتك موارد تضيق بمصادرها.

فقال ابن هراسة : والله لأنت أضعف كوعا ، وأهون كرسوعا ، وأقصر بوعا ، وأقلّ ورعا من أن تذكر منا شيئا نعرفه ، وتناول منا شيئا نكرهه ، ولكن قل في تضييعك الأمانة ، وإظهارك الخيانة ، كيف تبدل من حلاوتها علقما ، وتمج من مسكنتها دما حين يطلع أمير المؤمنين على خيانتك ويفشو له صنيعك.

فلمّا سمع عبد الملك مقالتهما خشي أن يبلغ أمرهما إلى أعظمه فعزم عليهما حتى سكتا ، وخرج الحجّاج من فوره إلى واسط ، وفتح الله بعد ذلك على المختار فتحا من قبل أفريقية ، فبعث وفدا إلى الحجّاج وهو إذ ذاك على العراق ، وبعث فيهم كثير بن هراسة فدخل كثير بن هراسة على عبد الملك فقام بين يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ الله جعلك لنا ملجأ وعزّا وحرزا ، نؤول إليه إن أصابتنا نائبة ، أو دهمتنا بائقة ، وقد بعثتني (2) يا أمير المؤمنين إلى بلد أتخوفه ، وأمير أفرقه ، قد شمخ بأنفه دون السماء ، واجترأ على الدماء بأرض مجهلة ، نائية ، ليس بها عشيرة ولا حفدة ، فليقلني (3) أمير المؤمنين إذ كبرت (4) ويتركني إذ سهوت ، فإنّ ذلك بي أرفق ، ولي موافق.

فقال له عبد الملك : انطلق ، فلعمري للحجّاج أحكم رأيا وأصدق وأيا أن يأخذك بإحنة ، وأيم الله لئن فعل ليفارقن إمارته ، وليذوقن مرارته ، وليتركن الكرامة ، وليندمن على العواقب كلّ الندامة ، وإلا فبالحري أن يكون قد أحكمته التجارب ، وقوّمته العواقب ، وثاب إليه عقله وتجرّد (5) عنه جهله.

قال : فخرج الوفد حتى قدموا على الحجّاج ، فجعل يتصفّحهم رجلا رجلا حتى مرّ به كثير ، فتجاهل عليه حتى كأنه لا يعرفه ، فقال له : من أنت؟ فقال : أصلح الله الأمير ، أنا كثير

__________________

(1) الزيادة عن م و «ز».

(2) الأصل : بعثته ، وفي «ز» : بعثني ، والمثبت عن م.

(3) بالأصل وم : فليقيلني ، وفي «ز» : فليقتلني.

(4) كذا بالأصل وم ، وفي «ز» : كبوت ، وهو أوجه.

(5) رسمها بالأصل : «ونمرد» وفي م : وغرب ، والمثبت عن «ز».

الصفحة 61 من 382