مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 48 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 391 من 469

مكثت في جامع الكوفة ثلاثة أيام لم أطعم طعاما ، ولم أشرب شرابا ، فلمّا أن كان في اليوم الرابع هزّني (1) الجوع ، فبينا أنا جالس إذ دخل عليّ من باب المسجد رجل مجنون وبيده حجر كبير ، وفي عنقه غلّ ثقيل ، والصبيان من ورائه فجعل يجول في المسجد حتى إذا حاذاني جعل يتفرّس فيّ فخفت فجزعت على نفسي منه ، فقلت : إلهي وسيّدي أجعتني وسلّطت علي من يقتلني ، فالتفت إليّ وقال :

محلّ بيان الصّبر فيك عزيزة (2)  

 

فيا ليت شعري هل لصبرك [من](3) أجر  

قال فضيل : فزال عني جوعي وطار عني هلعي ، وقلت : يا سيدي لو لا الرجاء لم أصبر ، قال : وأين مستقرّ الرجاء منك؟ قلت : بحيث مستقرّ [همم](4) العارفين ، قال : أحسنت والله يا فضيل ، إنّها لقلوب الهموم عمرانها ، والأحزان أوطانها عرفته ، فاستأنست به ، وارتحلت إليه ، فعقولهم صحيحة ، وقلوبهم ثابتة ، وأرواحهم بالملكوت الأعلى معلّقة ، ثم ولّى وأنشأ يقول :

فهام وليّ الله في الفقر (5) سائحا  

 

وحطّت على سير القدوم رواحله  

فعاد لخير قد جرى في ضميره  

 

تذوب به أعضاؤه ومفاصله  

قال الفضيل : والله لقد بقيت عشرة أيام لم أطعم طعاما ، ولم أشرب شرابا وجدا لكلامه.

أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم ، أنبأنا أبو الحسن رشأ بن نظيف ، أنبأنا الحسن بن إسماعيل ، أنبأنا أحمد بن مروان ، أنبأنا إبراهيم بن دازيل قال : سمعت عبيد الله بن عمر يقول :

دخلت أنا ويحيى بن سليم إلى الفضيل نعوده ، فقال الفضيل وجعل يضرب بيده على رأسه : يا فضيل خلقك ، وأفرغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ، وحرسك بعينه ، وصرف وجوه الناس إليك ، وأنت تشتغل عنه ، من أنت ، وما أنت ، ثم شهق شهقة وسقط وغطي بثوبه ، وجعل ينتفض وهو لا يعقل ، وتركناه.

__________________

(1) كذا بالأصل ، وفي المختصر : هرّني.

(2) كذا بالأصل ، والمختصر : غريزة.

(3) زيادة لإقامة الوزن عن المختصر.

(4) زيادة عن المختصر.

(5) كذا بالأصل ، وفي المختصر : في القر سائحا.

الصفحة 391 من 469