مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 47 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 78 من 526

ولا تكن يا بني ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب ، وينسى اليقين فيما رجا وطلب ، يقول فيما ذهب : لو قدر شيء كان ، ويقول فيما بقي اتبع (1) أيها الإنسان ، شاخصا غير مطمئن ، لا يثق من الرزق بما قد يضمن ، لا (2) تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن ، يتمنى المغفرة ويعمل في المعصية ، كأن في أوّل عمره في غفلة ، وغرة ، ثم أبقى وأقيل العثرة فإذا هو في آخره كسل وفترة ، طال عليه الأمل فافتتن (3) ، وطال عليه الأبد ، فاغترّ ، واعتذر إليه فما عمر ، وليس فيما عمر بمعذر ، عمر فيما يتذكر فيه من تذكر ، فهو من الذنب والنعمة موقر ، إن أعطي لم يشكر ، وإن منع قال لم يقدر ، أساء العبد واستكبر (4) ، الله أحق أن يشكر ، وهو أحق أن لا يعذر ، يتكلف ما لم يؤمر ، ويضع (5) ما هو أكبر ، يسأل الكثير ، وينفق اليسير ، أعطي ما يكفي ، ومنع ما يلهي ، فليس يرى شيئا يغني إلّا غناء يطغي ، يعجز [عن شكر](6) ما أعطي ويبتغي الزيادة فيما بقي ، يستبطئ نفسه في شكر ما أوتي ، وينسى ما عليه من الشكر ، فيما وفى ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر ولا يأتي ، يهلك في بعضه ، ولا يقصد في حبه ، يغره من نفسه [حبه ما ليس عنده ، وبغضه على ما](7) عنده مثله يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ، ويبغض المسيئين وهو أحدهم ، يرجو الأجر (8) في البغض على ظنه ، ولا يخشى المقت في اليقين من نفسه ، لا يقدر من الدنيا على ما يهوى ، ولا يخيل من الآخرة على ما يبقى ، إن عوفي حسب أنه قد تاب ، وإن ابتلى عاد ، إن عرضت له شهوة قال : يكفيك العمل فواقع ، وإن عرض له عمل كسل (9) وقال : يكفيك الورع ، لا تذهب مخافته الكسل ، ولا تبعثه رغبته على العمل : مرض ولا يخشى أن بمرض ، ثم يؤجر ، وهو يخشى أن يغرض ثم لا يسعى فيما زعم ، أن ما تكفل له من الرزق يشغل مما فرغ له من العمل ، يخشى الخلق في ربه ، ولا يخشى الرب في خلقه ، يعوذ بالله من هو فوقه ، ولا يريد أن يعيذ الله ممن تحته ، يخشى الموت ولا يرجو الفوت ، ثم يأمن ما يخشى وقد أيقن به ولا يأيس مما يرجوه ، وقد أيس منه ، يرجو أنفع علم لا يعمل به ويأمن ضر جهل قد أيقن به. يسخر بمن تحته من الخلق ، وينسى ما عليه فيه من الحق من أن يكون مثلهم ، كأن النقص لم يصبه معهم

__________________

(1) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : ابتغ.

(2) الأصل وم : «له» والمثبت عن الحلية.

(3) تقرأ بالأصل وم : «فقير» والمثبت عن الحلية.

(4) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : واستأثر.

(5) في الحلية : ويضيع ما هو أكثر.

(6) الزيادة عن الحلية.

(7) زيادة لإيضاح المعنى عن الحلية ، وم.

(8) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : الآخرة.

(9) أقحم بعدها بالأصل وم : «فقير» والمثبت يوافق عبارة الحلية.

الصفحة 78 من 526