مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 46 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 175 من 510

بالشّرك الذي خرجنا منه محضا ، فلو كانت الدنيا مع الدين أخذناها وإياه ، وإن كانت تنحاز عن الباطل لأخذناها وتركناه ، فلما رأيت ذلك كذلك خلطنا عملا صالحا وآخر سيئا ، فعسى الله.

أخبرنا أبو بكر محمّد بن شجاع ، أنا أبو عمرو بن مندة ، أنا أبو محمّد بن يوة ، أنا أبو الحسن اللّنباني (1) ، أنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، أخبرني محمّد بن صالح القرشي ، عن علي بن محمّد القرشي (2) ، عن جويرية بن أسماء.

أن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عباس : يا بني هاشم ، أما والله لقد تقلدتم بقتل عثمان قرم (3) الإماء العوارك (4) ، أطعتم فسّاق أهل العراق في عتبه وأجزرتموه مرّاق (5) أهل مصر ، وأوتيم قتلته وإنما نظر الناس إلى قريش ، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف ، ونظرت بنو عبد مناف إلى بني هاشم.

فقال عبد الله بن عباس لمعاوية : يا معاوية ، ما تكلّم عمرو إلّا عن رأيك ، وإنّ أحق الناس أن لا يتكلم في أمر عثمان لأنتما ، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما كان يصنع حتى إذا حصر طلب نصرك ، فأبطأت عنه ، وأحببت قتله وتربّصت به ، وأما أنت يا عمرو ، فأضرمت المدينة عليه ، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أنبائه فلما أتاك قتله ، أضافتك عداوة عليّ أن لحقت بمعاوية ، فبعت دينك منه بمصر ، فقال معاوية : حسبك ، يرحمك الله ، عرّضني لك عمرو ، وعرّض نفسه ، لا جزي عن الرحم خيرا.

أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد في كتابه ، أنا أبو نعيم الحافظ ، نا أبي ، نا أحمد بن محمّد بن يوسف ، أنا أبو نصر المصري ، نا المزني ، قال : سمعت الشافعي يقول :

دخل ابن عبّاس على عمرو (6) بن العاص فقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال : أصبحت وقد ضيّعت من ديني كثيرا ، وأصلحت من دنياي قليلا ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لقد فزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان يحبني أن أهرب هربت ، فصرت كالمجنون بين السماء والأرض لا أرتقي بيدين ، ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يا ابن عبّاس.

__________________

(1) تقرأ بالأصل : الغسّاني ، وفي م : العسانى» والصواب ما أثبت ، والسند معروف.

(2) من طريقه رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 73 وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 41 60) ص 94 95.

(3) القرم : شدة الشهوة.

(4) العوارك : الحيض.

(5) أي فسّاقهم.

(6) الأصل وم : على ابن عمرو.

الصفحة 175 من 510