مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 45 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 98 من 510

[قالت :] قم فاخرج ، ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عيني ، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي ، وانصرفت وتركتني ، فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم ، وبتّ ليلتي ، فلما أصبحت إذا أنا بها ، فقالت : هل لك في العود؟ فقلت : شأنك ، ففعلت مثل فعلها بالأمس ، حتى انتهت بي إلى الموضع ، فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسيّ ، فقالت : إيها يا فضّاح الحرائر ، فقلت : بما ذا جعلني الله فداك أيضا؟ قالت : بقولك (1) :

وناهدة الثديين قلت لها : اتّكي  

 

على الرمل ، من جبّانة لم توسّد  

فقالت : على اسم الله أمرك طاعة  

 

وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد  

فلما دنا الإصباح قالت : فضحتني  

 

فقم غير مطرود ، وإن شئت فازدد  

[قالت] قم فاخرج عني ، فقمت ، فخرجت ثم رددت ، فقالت لي : لو لا وشك الرحيل ، وخوف الفوت ، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك ، هات الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني ، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء ، ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا البيت ، فأخذت أنظر فإذا أنا بتور (2) فيه خلوق ، فأدخلت يدي فيه ثم خبّأتها في ردني ، ثم جاءت العجوز فشدّت عيني ونهضت بي تقودني ، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ، ثم صرت إلى مضربي ، فدعوت غلماني ، فقلت : أيكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ ، فهو حرّ وله خمسمائة درهم ، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال : قم ، فنهضت معه ، فإذا أنا بالكفّ طرية ، فإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ، فأخذت في أهبة الرحيل.

فلما نفرت نفرت معها ، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة ، فسألت عن ذلك فقيل لها : هذا عمر بن أبي ربيعة فساءها أمره ، وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه : قولي له نشدتك الله والرحم إن فضحتني (3) ويحك ، ما شأنك؟ وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك (4) ، فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت لها فاطمة ، فقال : لست

__________________

(1) الأبيات في ديوان عمر ط بيروت ص 121.

(2) التور : إناء صغير ، والخلوق : نوع من الطيب.

(3) الأغاني : أن تصحبني.

(4) وتشيط بدمك ، يقال : أشاط دمه وبدمه : أهدره وعرّض نفسه للقتل.

الصفحة 98 من 510