فقال : يا عمر ألا تسألني عما فعلت بالأحبة؟ قال : وما فعلت بهم؟ قال : مزقت الأكفان ، وأكلت اللحم وقال مسدّد : اللحوم وشدخت وقال مسدّد : وشرخت (1) المقلتين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت الكفّين من الساعدين ، والساعدين من العضدين ، والعضدين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب ، قال : وعمر يبكي ، فلمّا أراد أن يمضي وقال مسدّد : يمضي قال : يا عمر ألا أدلّك على أكفان لا تبلى؟ قال : ما هي؟ قال : تقوى الله ، والعمل الصالح.
أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي ، أنا أبو الحسين بن النّقّور ، وأبو منصور بن العطار ، قالا : أنا أبو طاهر المخلّص ، نا أحمد بن محمّد بن أبي شيبة ، نا محمّد بن يحيى الأزدي ، نا عبد الله بن نوح ، عن أبي بكر البصري ، عن أبي قرّة قال :
خرج عمر بن عبد العزيز على بعض جنائز بني مروان ، فلمّا صلّى عليها ودفنها قال لأصحابه : قفوا ، فوقف الناس ، فضرب بطن فرسه حتى أمعن في القبور وتوارى عنهم ، فاستبطأه الناس حتى ظنوا (2) ، فجاء وقد احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين أبطأت علينا ، فما الذي حبسك؟ قال : أتيت قبور الأحبة ، قبور بني آبائي ، فسلّمت عليهم ، فلم يردّوا السلام ، فلما ذهبت أقعى ، ناداني التراب فقال : ألا تسألني يا عمر ما لقيت الأحبة؟ قال : قلت : وما لقيت الأحبة؟ قال : مزقت (3) الأكفان ، وأكلت الأبدان ، فلما ذهبت أقعى ناداني فقال : ألا تسألني ما لقيت العينان؟ قلت : وما لقيت؟ قال : فدغت (4) المقلتين ، وأكلت الحدقتين ، فلما ذهبت أقعى ناداني : ألا تسألني ما لقيت الأبدان؟ قلت : وما لقيت؟ قال : قطعت الكفين من الرسغين ، وقطعت الرسغين من الذراعين ، وقطعت الذراعين من المرفقين ، وقطعت المرفقين من العضدين ، وقطعت العضدين من المنكبين ، وقطعت المنكبين من الصلب ، وقطعت الصلب من الوركين ، وقطعت الوركين من الفخذين ، وقطعت الفخذين من الساقين ، وقطعت الساقين من القدمين ، فلما ذهبت أقعى ناداني : يا عمر ، عليك بأكفان لا تبلى ، [قلت :](5) وما أكفان لا تبلى؟ قال : اتّقاء الله ، والعمل الصالح.
__________________
(1) قوله : «وقال مسدد : وشرخت» سقط من «ز».
(2) كذا بالأصل و «ز».
(3) عن «ز» ، ورسمها بالأصل : حرقت.
(4) الأصل : فدعت ، والمثبت عن «ز» ، وفدغه : شدخه ، أو هو شدخ الشيء المجوف (القاموس).
(5) زيادة عن «ز».




